الأخبار | 
الرئيسية مقالات مختارة
عدد القراء 1641
شبهة القتال والجزية في الإسلام (1-2)


لا بد أنَّ نقرر في البداية أنَّ الصِّراع بين البشر أمرٌ واقعٌ وباقٍ..وأنَّ الإنسان ليس في وسعه منع وقوع هذا الصراع، ولكن يبقى أمامه التفكير في «موضوع» الصِّراع؛ لأنَّ هذا الموضوع سيكون الأساس في تحديد قيمة الصراع ونتائجه؛ وعندئذ يكون التَّصور الإسلامي هو المثال الصحيح لتقييم هذا الصراع.
والتصور الإسلامي للصراع هو «الحقّ والباطل» الذي يُحدد أحقية «مَن» يكون له التمكين، ووراثة الأرض.والقرآن يُثبتُ أنَّ التمكين للحقِّ: ﴿الذين إنْ مكناهُم في الأَرضِ أقَاموا الصَّلاة﴾، وأن الأرض لله ﴿يُورِثُها من يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
فالقضية أساسًا حقّ وباطل.. الأرض لله والتمكين للحقِّ.والقتال هو الصيغة الأساسية للصراع.

وتفصيلاً يُحَدد الإسلام الأسباب الأساسية للقتال ليكون أهمها:
1- أحقيَّة التَّصور الإسلامي - بصفته الإنسانية العادلة- في أن يكون إطارًا منهجيًّا لِمُواجهة مشكلة الصراع الإنساني.
2- حِمَاية الدَّعوة -صاحبة هذا التَّصور الإنساني العادل- من أعدائِها الذين يُحَاوِلُون القضاءَ عليها وحِرمان الإنسان من معرفة هذا التصور.. وحِمَاية من يُؤْمن بها من محاولة القضاء عليه، بعد حرمانه من حقِّهِ في طرح هذا التصور؛ بفتنته عن دعوته سواء بالأذى أو بالإغراء.. بحيث تكون هذه الحماية ضمانًا لِحُرِّيَّة العقيدة؛ حتى لا يَخْشى أحدٌ من الانتماءِ لهذه الدَّعوة. مِنْ أَجْلِ ذلك كان القتال وكانت القوة التي تُرْهِب عدوَّ الله وعدو الدّعوة، حتى يرهبها مَنْ يهم بالاعتداء عليها.. انتضى الإسلام السيف، وناضل وجاهد في تاريخه الطويل؛ لا ليُكْرِه أحدًا على الإسلام، ولكنْ لِيَكفل عدة أهداف كلها تقتضي الجهاد.

جاهد الإسلام «أولاً» لِيَدْفَعَ عن المؤمنين الأذى والفتنة التي كانوا يُسَامُونَهَا.ولِيَكفل لهم الأمنَ على أنفسهم وأموالهم وعقيدتهم، وقرر ذلك المبدأ العظيم الذي سلف تقريره؛ فيقول الله: (والفتنة أشدّ من القتل).. فاعتبر الاعتداء على العقيدة والإيذاء بسببها وفتنة أهلها عنها.. أشدّ من الاعتداء على الحياة ذاتها، فالعقيدة أعظم قيمة من الحياة وَفق هذا المبدأ العظيم. وإذا كان المؤمن مأذونًا له في القتال لِيُدَفِعَ عن حياته ، وعن ماله فهو من باب أولى مَأْذون له في القتال؛ ليدفع عن عقيدته ودينه..وقد كان المسلمون يُسامون الفتنة عن عقيدتهم ويؤذون ؛ولم يكن لهم بُد أنْ يدفعوا هذه الفتنة عن أعزّ ما يملكون؛ يُسَامون الفتنة عن عقيدتهم، ويؤذون فيها في مواطن من الأرض شتّى. وقد شَهِدَتْ الأندلس من بشاعة التَّعذيب الوحشي والتقتيل الجماعي؛ لِفتنة المسلمين عن دينهم، وفتنة أصحاب المذاهب المسيحية الأخرى؛ ليرتدوا إلى الكثلكة (الكاثوليكية).. ما ترك أسبانيا اليوم ولا ظل فيها للإسلام! ولا للمذاهب المسيحية الأخرى ذاتها!

كما شهد بيت المقدس وما حوله بشاعة الهجمات الصليبية، التي لم تكن موجَّهة إلا للعقيدة والإجهاز عليها؛ والتي خاضها المسلمون في هذه المنطقة تحت لواء العقيدة وحدها فانتصروا فيها؛ وحموا هذه البقعة من مصير الأندلس الأليم..هذا هو الموقف التاريخي لأعداء الإسلام من الإسلام وأهله..وهو ما جاء في كتاب «حضارة العرب» لجوستاف لوبون- وهو فرنسيّ مسيحيّ: «كان أول ما بدأ به ريكاردوس الإنجليزي أنه قتل أمام معسكر المسلمين ثلاثة آلاف أسير، سلموا أنفسهم إليه، بعد أنْ قَطَعَ على نفسه العهد بحقن دمائهم، ثُمَّ أطلق لنفسه العَنَان باقتراف القتل والسلب، مما أثار صلاح الدين الأيوبي النبيل، الذي رحم نصارى القدس، فلم يمسهم بأذى، والذي أمد فيليب وقلب الأسد بالمرطبات والأدوية، والأزواد أثناء مرضهما».

كذلك كتب كاتب مسيحي آخر (اسمه يورجا) يقول: «ابتدأ الصليبيون سيرهم على بيت المقدس بأسوأ طالع، فكان فريق من الحجاج يسفكون الدماء في القصور، التي استولوا عليها، وقد أسرفوا في القسوة؛ فكانوا يبقرون البُطُون ويبحثون عن الدنانير في الأمعاء! أما صلاح الدين، فلمَّا استرد بيت المقدس بذل الأمان للصليبيين، ووفَّى لهم بجميع عهوده، وجاد المسلمون على أعدائهم و وَطَّئُوهُمْ مهاد رأفتهم، حتى إن الملك العادل - شقيق السلطان- أطلق ألف رقيق من الأسرى، ومنَّ على جميع الأرمن، وأذن للبطريرك بحمل الصليب وزينة الكنيسة، وأبيح للأميرات والملكة بزيارة أزواجهن»( ).وما يزال المسلمون يُسَامُون الفتنة في أرجاء العالم «المناطق الشيوعية والوثنية والصهيونية والمسيحية، في أنحاء من الأرض شتَّى».. وما يزال الجهاد مفروضًا عليهم لِرَدّ الفتنة إنْ كانوا حقًّا مسلمين!

وجاهد الإسلام «ثانيًا» لِتقرير حريَّة الدعوة.. بعد تقرير حريَّة العقيدة.فقد جاء الإسلام بأكمل تصور للوجود والحياة، وبأرقى نظام لِتطوير الحياة.جاء بهذا الخير ليهديه إلى البشرية كلها؛ ويُبَلِّغه إلى أسماعها وإلى قلوبها. فمن شاء بعد البيان والبلاغ فليؤمن ومن شاء فليكفر.. لا إكراه في الدين.حتَّى بلغ النهي عن الإكراه حدّ التعبير عنه بالفتنة في وصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمُعاذ بن جبل عندما أرسله إلى اليمن فقال له: «لا يُفْتن يهودي عن يهوديته» ( ).

ولكن ينبغي قبل ذلك أن تزول العقبات من طريق إبلاغ هذا الخير للناس كافة؛ كما جاء من عند الله للناس كافة. وأن تزول الحواجز التي تمنع الناس أن يسمعوا وأن يقتنعوا وأن ينضموا إلى موكب الهُدى إذا أرادوا.
ومن هذه الحواجز أن تكون هناك نُظم طاغية في الأرض؛ تَصدّ النَّاس عن الاستماع إلى الهدى، وتفتن المهتدين أيضًا، فجاهد الإسلام لِيُحطم هذه النُّظم الطاغية؛ وليقيم مكانها نظامًا عادلًا؛ يكفل حريَّة الدَّعوة إلى الحقِّ في كلِّ مكان وحريَّة الدعاة..وما يزال هذا الهدف قائمًا، وما يزال الجهاد مفروضًا على المسلمين لِيُبَلِّغوه إنْ كانوا مسلمين! وجاهد الإسلام «ثالثًا» لِيُقِيم في الأرض نظامه الخاص ويقرره ويحميه..وهو وحده النظام الذي يُحقق حريَّة الإنسان تجاه أخيه الإنسان؛ حينما يُقرر أن هناك عبودية واحدة لله الكبير المتعال؛ ويَلغي من الأرض عُبودية البشر للبشر في جميعِ أشكالها وصورها.

فليس هنالك فرد ولا طبقة ولا أُمَّة تُشرِّع الأحكام للنَّاس، وتستذلهم عن طريق التشريع. إِنَّما هنالك رَبٌّ واحد للنَّاس جميعًا ؛هو الذي يُشَرِع لهم على السواء، وإليه وحده يتجهون بالطاعة والخضوع، كما يتجهون إليه وحده بالإيمان والعبادة سواء.فلا طاعة في هذا النظام لبشر إلا أن يكون منفذًا لِشَريعة الله، موكلاً عن الجماعة للقيام بهذا التنفيذ؛ حيث لا يملك أن يُشرِّع هو ابتداءً؛ لأنَّ التشريع من شأن الألوهية وحدها، وهو مظهر الألوهية في حياة البشر، فلا يجوز أن يزاوله إنسان؛ فيدعي لِنفسه مقام الألوهية وهو واحد من العبيد. هذه هي قاعدة النظام الرَّباني الذي جاء به الإسلام، وعلى هذه القاعدة يقوم نظامٌ أخلاقيٌّ نظيف، تُكفَل فيه الحرية لكل إنسان، حتّى لمن لا يعتنق عقيدة الإسلام، وتُصَان فيه حُرمات كلّ أحدٍ حتى الذين لا يعتنقون الإسلام، وتُحْفظ فيه حقوق كل مواطنٍ في الوطن الإسلامي؛ أيًّا كانت عقيدته. ولا يُكره فيه أحدٌ على اعتناقِ عقيدة الإسلام، ولا إكراه فيه على الدين إنَّما هو البلاغ.

جاهد الإسلام لِيُقيم هذا النظام الرَّفيع في الأرض ويقرره ويحميه. وكان من حقه أن يُجاهد لِيُحَطِّمَ النُّظُمَ الباغية ؛التي تقوم على عبودية البشر للبشر، والتي يَدَّعي فيها العبيد مقام الألوهية ويُزاولون فيها وظيفة الألوهية - بغير حقٍّ- ولم يكن بُد أن تُقاومه تلك النُظم البَاغية في الأرض كلها وتُنَاصبه العداء.ولم يكن بُدٌ كذلك أن يسحقها الإسلام سحقًا؛ ليُعلن نظامه الرَّفيع في الأرض..ثم يدعُ النَّاس في ظله أحرارًا في عقائدهم الخاصة، لا يُلزمهم إلا بالطاعة لشرائعه الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والدولية.أما عقيدة القلب فهم فيها أحرار.. وأما أحوالهم الشخصيَّة فهم فيها أحرار، يُزاولونها وَفق عقائدهم.والإسلام يقوم عليهم؛ يحميهم ويحمي حريتهم في العقيدة ويكفل لهم حقوقهم، ويصون لهم حُرُمَاتِهم، في حدود ذلك النِّظَام. وما يزال هذا الجهاد لإقامة هذا النِّظَام الرَّفيع مفروضًا على المسلمين: (حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله).. فلا تكون هناك ألوهية للعبيد في الأرض، ولا دينونة لغير الله..

لم يحمل الإسلام السيفَ إذن لِيُكرِه النَّاس على اعتناقه عقيدةً؛ ولم ينتشر بالسيف على هذا المعنى، كما يُرِيد بعض أعدائه أن يتهموه! إنَّما جاهد لِيُقيم نظامًا آمنًا يَأمن في ظله أصحاب العقائد جميعًا، ويعيشون في إطاره خاضعين له، وإن لم يعتنقوا عقيدته. وكانت قوة الإسلام ضرورية لِوجوده وانتشاره واطمئنان أهله على عقيدتهم، واطمئنان من يُريدون اعتناقه على أنفسهم، وإقامة هذا النِّظام الصَّالح وحمايته، ولم يكن الجهاد أداةً قليلةَ الأهمية، ولا معدومة الضرورة في حاضره ومستقبله، كما يُرِيد أخبث أعدائه أن يُوحوا للمسلمين..

لا بُد للإسلام من نظام، ولا بد للإسلام من قوة، ولا بُد للإسلام من جهاد، فهذه طبيعته التي لا يقوم بدونها إسلام يعيش ويقود.والتصور الإسلامي للقتال بالحقّ يُناقش قضيةً أساسية، وهي منازعته في ادعاء الحقّ، وتحديدًا «أهل الكتاب» الذين كان لهم قاعدة خاصة في التعامل القتالي معهم ، وهي إثبات بطلان زعمهم أنَّهم على الحقِّ. فيُثبت التَّصور الإسلامي في هذه الحالة من هو صاحب الحقّ بعد ردهم إلى أصل الدين الذي ينتسبون إليه.. ثم يُثبت انحرافهم عنه.. ثم يُقاتلهم على هذا الانحراف.
إذن قضية الصراع بين الإسلام وأهل الكتاب هي قضية انحرافهم عن أصل دينهم، ولا يكون حسابهم إلا على ذلك، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
وقال تعالى: ﴿وقالت اليهُودُ عُزيرٌ ابنُ اللّه وقالت النّصارى المسيحُ ابنُ اللّه ذلك قولُهُم بأفواههم يُضاهئُون قول الّذين كفرُوا من قبلُ قاتلهُمُ اللّهُ أنّى يُؤفكُون﴾ [التوبة: 30]. وقال تعالى: ﴿يُريدُون أن يُطفئُوا نُور اللّه بأفواههم ويأبى اللّهُ إلّا أن يُتمّ نُورهُ ولو كره الكافرُون﴾ [التوبة: 32].
----------------------
المصدر: موقع لواء الشريعة.

للذهاب للمادة الثانية: شبهة القتال والجزية في الإسلام (2-2)





مرئيات مختارة


استطلاع رأي

    في اعتقادك، ما سبب دعم بعض التيارات الإسلامية المحسوبة على السلفية لأنظمة علمانية وانقلابات عسكرية كالحال في مصر وليبيا نموذجا