الأخبار | 
الرئيسية مقالات مختارة
عدد القراء 3420

حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد المسلمين


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذه الرسالة مهمة في حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد أهل الإسلام، جمعها العلامة الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري الباحث في رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - جزاه الله خيرا وزاده علما وتوفيقا (1) - ردا على ما نشرته بعض الجرائد المصرية في جواز إحداث الكنائس في البلاد الإسلامية.
وقد قرأت هذه الرسالة من أولها إلى آخرها فألفيتها رسالة قيمة، قد ذكر فيها مؤلفها ما ورد في بناء الكنائس والبيع وسائر المعابد الكفرية من الأحاديث النبوية والآثار وكلام أهل العلم في المذاهب الأربعة، وقد أجاد وأفاد وختمها برسالتين جليلتين عظيمتي الفائدة للإمام العلامة أبي العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

ولا ريب أن موضوع الرسالة مهم جدا ولا سيما في هذا العصر الذي كثر فيه اختلاط الكفار بالمسلمين ونشاط النصارى في بناء الكنائس في بعض البلاد الإسلامية ولا سيما بعض دول الجزيرة العربية.
وقد أجمع العلماء رحمهم الله على تحريم بناء الكنائس في البلاد الإسلامية، وعلى وجوب هدمها إذا أُحدثت، وعلى أن بناءها في الجزيرة العربية كنجد والحجاز وبلدان الخليج واليمن أشد إثما وأعظم جرما؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب، ونهى أن يجتمع فيها دينان، وتبعه أصحابه في ذلك.
ولما استخلف عمر أجلى اليهود من خيبر عملا بهذه السنة، ولأن الجزيرة العربية هي مهد الإسلام ومنطلق الدعاة إليه ومحل قبلة المسلمين فلا يجوز أن ينشأ فيها بيت لعبادة غير الله سبحانه كما لا يجوز أن يقر فيها من يعبد غيره.

ولما حصل من التساهل في هذا الأمر العظيم رأيت أن نشر هذه الرسالة مفيد جدا إن شاء الله، بل من أهم المهمات ولهذا أمرت بطبعها ونشرها وتوزيعها على حساب رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد نصحا للأمة وبراءة للذمة ومساهمة في إنكار هذا المنكر العظيم والدعوة إلى إنكاره والتحذير منه، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يطهر بلاد المسلمين عموما والجزيرة العربية خصوصا من جميع المعابد الشركية، وأن يوفق ولاة أمر المسلمين إلى إزالتها والقضاء عليها طاعة لله سبحانه وامتثالا لأمر رسوله عليه الصلاة والسلام وسيرا على منهج سلف الأمة وتحقيقا لما دعا إليه علماء الإسلام من إزالة الكنائس والمعابد الشركية المحدثة في بلاد المسلمين، إنه جواد كريم.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
أملاه الفقير إلى عفو ربه: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن آل باز - الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
حرر في ليلة الخميس 25 /10 /1400 هجرية.

بيان ما ورد في منع إحداث الكنائس في بلاد الإسلام من الأحاديث

وردت أحاديث في منع إحداث الكنائس في بلاد الإسلام نذكرها فيما يلي:
1- ما رواه أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان المعروف بأبي الشيخ في كتاب شروط الذمة، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث، ثنا سليمان بن داود أبو أيوب، ثنا سعيد بن الحباب، ثنا عبيد بن بشار، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « لا تُحدثُوا كنيسة في الإسلام ولا تُجددوا ما ذَهَب منها » . ومن طريق أبي الشيخ بهذا السند روى السبكي في فتوى له في منع ترميم الكنائس هذا الحديث في الباب الذي عقده للأحاديث الواردة في منع ذلك.
ثم قال:" هكذا في هذه الطريق عبيد بن بشار وأظنه تصحيفا، فقد رواه أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ الجرجاني في كتابه (الكامل) في ترجمة سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « لا نذر في معصية، ولا يمين في معصية، وكفارته كفارة يمين » (2)، قال ابن عدي وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « لا تبنى كنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها » ثم قال السبكي: سعيد بن سنان ضعفه الأَكثرون ووثقه بعضهم، وكان من صالحي أهل الشام وأفضلهم وهو من رجال ابن ماجه، كنيته أبو المهدي، وذكره عبد الحق في الأحكام " (3).
2 - ما رواه أبو داود في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب من سننه وهو من أبواب كتاب الخراج والفيء والترمذي في كتاب الزكاة من جامعه.
وقال أبو داود ج 2 ص 148 (مطبعة مصطفى البابي الحلبي الأولى): " حدثنا سليمان بن داود العتكي، ثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « لا تكون قبلتان في بلد واحد » (4).
وقال الترمذي في: " باب ما جاء ليس على المسلمين جزية " حدثنا يحيى بن أكثم، ثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « لا تصلح قبلتان في أرض واحدة وليس على المسلمين جزية » (5) قال: وحدثنا أبو كريب، أخبرنا جرير، عن قابوس بهذا الإسناد نحوه، وفي الباب عن سعيد بن زيد وجد حرب بن عبيد الله الثقفي قال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلا " اهـ. كلام الترمذي.
قال السبكي في فتوى له في منع ترميم الكنائس، وهي ضمن الجزء الثاني من فتاويه، قال (ص 374 - 375): " وهذا الحديث قد اختلف في إسناده وإرساله، فرواه العتكي وأبو كريب عن جرير عن قابوس كما رأيت، ورويناه مقتصرا على الفصل الثاني من شقيه (6) وهو قوله: « ليس على مسلم جزية » (7) في كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلّام الذي سمعناه على شيخنا الدمياطي بسماعه من ابن الجميزي، قال أبو عبيد، ثنا مصعب بن المقدام، عن سفيان بن سعيد، عن قابوس، عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلا. وجرير وإن كان ثقة لكن سفيان أجل منه، فعلى طريقة المحدثين المرسل أصح، وعلى طريقة بعض الفقهاء في المسند زيادة، وقد ذكر الترمذي الخلاف في إسناده وإرساله، وقابوس فيه لين مع توثيق بعضهم له، وكان يحيى بن سعيد يحدث عنه، ويحيى لا يحدث إلا عن ثقة، وفي القلب منه شيء ولا يتبين لي قيام الحجة به وحده، وعدت الشيخ نور الدين البكري في مرضه فسألني عن هذا الحديث وقال: ما بقي إلا تصحيحه، وأفتى بهدم الكنائس وبإجلاء اليهود والنصارى " اهـ المراد من كلام السبكي.
وقد ذكر شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في فتوى له، في الكنائس ذكرها ابن القيم في كتاب أحكام أهل الذمة (2 / 685) ذكر أن حديث: « لا تكونُ قبلتانِ في بلدٍ واحد » (8) رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد، وجزم بأن شرط عمر في شروطه المشهورة أن لا يجددوا في مدائن الإسلام ولا فيما حولها كنيسة ولا صومعة ولا ديرا ولا قلاية؛ امتثال من عمر لهذا الحديث « لا تكون قبلتان في بلد واحد » (9).
3 - ما رواه أبو داود في " باب الإقامة بأرض الشرك " من سننه قال (2 / 84) قال: " حدثنا محمد بن داود بن سفيان، ثنا يحيى بن حسان قال: أخبرنا سليمان بن موسى أبو داود قال: ثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب قال: حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب: أما بعد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله » (10) (11). قال السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس ص 375 من الجزء الثاني من فتاوى السبكي قال: " لم يروه من أصحاب الكتب الستة إلا أبو داود، وبوَّب له " باب الإقامة في أرض الشرك "، وليس في سنده ضعف، فهو حديث حسن، ثم ذكر السبكي أن أبا الشيخ قال: " حدثنا إسحاق بن بيان الواسطي، ثنا فضل بن سهل، ثنا مضر بن عطاء الواسطي، ثنا همام، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « لا تُسَاكِنُوا المشركينَ ولا تُجَامِعُوهم، فَمنْ سَاكَنَهُم أو جامعهم فَهو مِثلُهم » (12)، وذكر السبكي أن هذا الحديث هو معنى الحديث الأول، وأن الكتابي يسمى مشركا، فالحديث على ذلك يشمله عنده فيستدل به على تحريم مساكنته، ثم قال: " والمساكنة إن أخذت مطلقة في البلد يلزم أن لا يكون لهم في تلك البلد كنيسة؛ لأن الكنيسة إنما تبقى لهم بالشرط إذا كانوا فيها " اهـ.
4 - ما رواه مالك في " ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة "، من الموطأ عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: " كان من آخر ما تكلم به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن قال: « قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقين دينان بأرض العرب » (13). وروى مالك أيضا في ذلك الباب عن ابن شهاب: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: « لا يجتمع دينان بجزيرة العرب » (14). قال مالك: قال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج واليقين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: « لا يجتمع دينان في جزيرة العرب » (15). فأجلى يهود خيبر.
قال مالك: " وقد أجلى عمر بن الخطاب يهود نجران وفدك. فأما يهود خيبر فخرجوا منها ليس لهم من الثمر ولا من الأرض شيء. وأما يهود فدك فكان لهم نصف الثمر ونصف الأرض؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان صالحهم على نصف الثمر ونصف الأرض فأقام لهم عمر نصف الثمر ونصف الأرض قيمة من ذهب وورق، وإبل وحبال وأقتاب، ثم أعطاهم القيمة ثم أجلاهم منها " اهـ.
ومرسل ابن شهاب الذي ورد في رواية مالك الأخيرة وصله صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة. أخرجه إسحاق في مسنده ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، فذكره مرسلا. وزاد فقال عمر لليهود: " من كان منكم عنده عهد من رسول الله فليأت به وإلا فإني مجليكم ". ورواه أحمد في مسنده موصولا عن عائشة ولفظه عنها قالت: { آخر ما عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن لا يترك بجزيرة العرب دينان } (16). أخرجه من طريق ابن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة.. أفاد جميع ذلك - أي ما ذكرناه في مرسل ابن شهاب الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه " تلخيص الحبير ".
وأما أرض العرب وجزيرة العرب الواردتان في روايتي الموطأ، فقد قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الجزء الأول من " التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد " : وأما قوله: " أرض العرب " و " جزيرة العرب " في هذا الحديث، فذكر ابن وهب عن مالك قال: أرض العرب مكة والمدينة واليمن. وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام عن الأصمعي قال: جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من سائر البحر إلى أطراف الشام.
وقال أبو عبيد: جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأما في العرض فمن بير يبرين إلى منقطع السماوة، قال أبو عمر: أخبرنا بذلك كله أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان وأبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد، قالا: حدثنا محمد بن عيسى وأخبرنا أبو القاسم بن عمر بن عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال: حدثنا أحمد بن خالد، قالا جميعا: حدثنا علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد القاسم بن سلام في كتابه في شرح غريب الحديث، وبجميع الشرح المذكور.
وقال يعقوب بن شيبة: حفر أبي موسى على منازل من البصرة في طريق مكة خمسة منازل أو ستة.
وقال أحمد بن المعذل: حدثني يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري قال: قال مالك بن أنس: جزيرة العرب المدينة ومكة واليمامة واليمن. قال: وقال المغيرة بن عبد الرحمن: جزيرة العرب المدينة ومكة واليمن وقرياتها. وذكر الواقدي عن معاذ بن محمد الأنصاري أنه حدثه عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي أنه سمعه يقول: القرى العربية: الفرع وينبع والمروة ووادي القرى والجار وخيبر، قال الواقدي: وكان أبو وجزة السعدي عالما بذلك، قال أبو وجزة: وإنما سميت قرى عربية لأنها من بلاد العرب.
وقال أحمد بن المعذل: حدثني بشر بن عمر قال: قلت لمالك: إننا لنرجو أن تكون من جزيرة العرب - يريد البصرة - لأنه لا يحول بينكم وبيننا نهر، فقال: ذلك أن كان قومك تبوءوا الدار والإيمان " قال أبو عمر قال بعض أهل العلم: إنما سمي الحجاز لأنه حجز بين تهامة ونجد، وإنما قيل لبلاد العرب جزيرة لإحاطة البحر والأنهار بها من أقطارها وأطرافها، فصاروا فيها في مثل جزيرة من جزائر البحر " اهـ. ما في التمهيد عن أرض العرب وجزيرة العرب.
5 - ما رواه أحمد بن حنبل وأبو عبد القاسم بن سلام عن توبة بن نمر عمن أخبره: قال أحمد بن حنبل، ثنا حماد بن خالد الخياط، أخبرنا الليث بن سعد، عن توبة بن نمر الحضرمي (قاضي مصر) عمن أخبره، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « لا خِصَاء في الإسلام ولا كنيسة » (17).
وقال أبو عبيد في كتاب الأموال: " حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد قال: حدثني توبة بن النمر الحضرمي قاضي مصر عمن أخبره قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة » (18)
قال أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي في فتوى له في منع ترميم الكنائس في ج 2 من فتاوى السبكي ص 374 بعد إيراده هذا الحديث من طريقي الإمامين أحمد بن حنبل وأبي القاسم بن سلام: " استدلوا به على عدم إحداث الكنائس، ولو قيل إنه شامل للإحداث والإبقاء لم يبعد، ويخص منه ما كان بالشرط بدليل ويبقى ما عداه على مقتضى اللفظ، وتقديره: لا كنيسة موجودة شرعا " اهـ.

ذكر ما ورد في إحداث الكنائس في بلاد الإسلام من الآثار

ورد في منع إحداث الكنائس في أمصار المسلمين آثار نذكر منها ما يلي:
أولا: ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في " كتاب الأموال " قال: " حدثني أبو الأسود عن أبي لهيعة يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير قال: قال عمر بن الخطاب: " لا كنيسة في الإسلام ولا خصاء " حدثني أحمد بن بكير عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عمر مثل ذلك، ولم يذكر عن أبي الخير " (19) اهـ.
ورواه علي بن عبد العزيز قال: " حدثنا أبو القاسم، حدثني أبو الأسود، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني قال: قال عمر بن الخطاب " لا كنسية في الإسلام ولا خصاء "(20).
وقد ورد في الشروط المشهورة عن عمر بن الخطاب " أن لا يجددوا في مدائن الإسلام ولا فيما حولها كنيسة ولا صومعة راهب ولا قلاية ". وفيما يلي نص تلك الشروط التي جاء فيها ذلك الشرط.
قال الخلال في كتاب " أحكام أهل الملل ": أخبرنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبو شرحبيل الحمصي عيسى بن خالد قال: حدثني عمر أبو اليمان وأبو المغيرة قالا: أخبرنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا غير واحد من أهل العلم قالوا: كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم (21) " إنا حين قدمت بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا على أنا شرطنا على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا فيما حولها ديرا ولا قلاية ولا صومعة (22) راهب ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا ما كان منها في خطط المسلمين، وأن لا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسا، وأن لا نكتم غشا للمسلمين، وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيا في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبا ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليبا ولا كتابا في سوق للمسلمين، وأن لا نخرج باعوثا - قال: والباعوث يجتمعون كما يخرج المسلمون يوم الأضحى والفطر - ولا شعانين، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير ولا يبيع الخمور، ولا نظهر شركا ولا نرغب في ديننا ولا ندعو إليه أحدا، ولا نتخذ شيئا من الرقيق الذي جرت عليه سهام المسلمين، وأن لا نمنع أحدا من أقربائنا أرادوا الدخول في الإسلام، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا في مراكبهم ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتني بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا ولا نفرق نواصينا ونشد الزنانير على أوساطنا، ولا ننقش خواتمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله ولا نتقلد السيوف، وأن نوقر المسلمين في مجالسهم ونرشدهم الطريق، ونقوم لهم عن المجالس إن أرادوا الجلوس، ولا نطلع عليهم في منازلهم، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا يشارك أحد منا مسلما في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل ثلاثة أيام ونطعه من أوسط ما نجد. ضمنا لك ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا، وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لك منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق ".
فكتب بذلك عبد الرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر: " أن أمض لهم ما سألوا والحق فيهم حرفين اشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم: أن لا يشتروا من سبايانا، ومن ضرب مسلما فقد خلع عهده ".
فأنفذ عبد الرحمن بن غنم ذلك وأقر من أقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط (23).
وذكر‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ سفيان الثوري، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ ‌‌‌‌‌‌‌‌‌قال: ‌‌‌‌كتبت لعمر بن الخطاب حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم فيه أن لا يحدثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يؤووا جاسوسا، ولا يكتموا غشا لمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركا، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن يقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سرجا، ولا يتقلدوا سيفا، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم، ولا يظهروا صليبا ولا شيئا من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم، ولا يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سهام المسلمين.
فإن خالفوا شيئا مما شرطوه فل ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.
وقال الربيع بن تغلب: حدثنا يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، عن سفيان الثوري والوليد بن نوح والسري بن مصرف يذكرون عن طلحة بن مصرف، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب حين صالح نصارى أهل الشام:
" بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا: إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدائننا ولا فيما حولها ديرا ولا قلاية ولا كنيسة ولا صومعة راهب، فذكر نحوه ".

قال الإمام ابن القيم بعد أن أورد في كتابه " أحكام الذمة " تلك الشروط من الطرق التي ذكرناها قال: " وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها، فذكر أبو القاسم الطبري من حديث أحمد بن يحيى الحلواني: حدثنا عبيد بن جياد، حدثنا عطاء بن مسلم الحلبي، عن صالح المرادي، عن عبد خير قال: رأيت عليا صلى العصر فصف له أهل نجران صفين، فناوله رجل منهم كتابا فلما رآه دمعت عينه ثم رفع رأسه إليهم فقال: يا أهل نجران هذا والله خطي بيدي وإملاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا أمير المؤمنين، أعطنا ما فيه، قال: ودنوت منه فقلت: إن كان رادا على عمر يوما فاليوم يرد عليه، فقال: لست براد على عمر على عمر شيئا صنعه، إن عمر كان رشيد الأمر، وإن عمر أخذ منكم خيرا مما أعطاكم، ولم يجر عمر ما أَخذ منكم إلى نفسه إنما جره لجمعة المسلمين ".
وذكر ابن المبارك عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن عليا قال لأهل نجران: " إن عمر كان رشيد الأمر ولن أغير شيئا صنعه عمر " وقال الشعبي: قال علي حين قدم الكوفة: " ما جئت لأحل عقدة شدها عمر " اهـ. كلام ابن القيم، (24) وقد روى السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس من طريق أبي يعلى الموصلي رواية الربيع بن تغلب، عن يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، عن سفيان الثوري والربيع بن نوح والسري، عن طلحة بن مصرف، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم، رواها بكاملها.
وأجاب عن طعن بعض أئمة الحديث في يحيى بن عقبة بما يستفاد منه ما يلي:
1 -أنه روي عنه هذه الشروط يحيى بن سعيد القطان، ويحيى القطان لا يروي إلا عن ثقة، فروايته عنه توثيق له، ورواها عن القطان محمد بن المصفى، ورواها عن ابن مصفى حرب في مسائله عن أحمد وإسحاق قال: وكذلك رواها البيهقي موافقا في الإسناد والمتن، وكذلك ابن حزم موافقا في الإسناد والمتن، وفي سنده يحيى بن عقبة، ولم يتعرض لذكر شيء فيه مع سعة حفظ ابن حزم، وذكرها خلائق كذلك.
2 - أن عبد الحق ذكر هذه الشروط في الأحكام، ولم يذكر يحيى بن عقبة واقتصر على سفيان فمن فوقه، هكذا في الوسطى، والظاهر أنه ذكره في الكبرى، لا بد من ذلك، ولم أر في كلام ابن القطان اعتراضا عليه.
3 - أن هذه الشروط ذكرها جماعة من الفقهاء تلقوها بالقبول واحتجوا بها منهم الشيخ أبو حامد الإسفرائيني، حتى رأيت في كتب الحنابلة أنه عند الإطلاق يحمل على شروط عمر كأنها صارت معهودة شرعا. وفي كلام أبي يعلى منهم أن ما فيها يثبت بالشرع من غير شرط، وهو قريب من الأول لكنه أحسن؛ لأنه يجعل هذه أحكاما شرعية. واشتراط عمر لها لأنها ثابتة بالشرع وإن لم تشترط، وذكر السبكي من كلام الشافعي في " الأم " ما يشهد لكلام الحنابلة.
4 - أن هذه الشروط رواها جماعة بأسانيد ليس فيها يحيى بن عقبة لكنها أو أكثرها ضعيفة أيضا، وبانضمام بعضها إلى بعض تقوى، وجمع فيها الحافظ بن عبد الله بن زير جزءا اهـ.
ثانيا: ما رواه عبد الرزاق وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وأبو عبيد عن ابن عباس رضي الله عنهما.
قال عبد الرزاق في " المصنف " (6 /60) عن ابن التيمي، عن أبيه، عن شيخ من أهل المدينة يقال له حنش أبو علي، عن عكرمة مولي ابن عباس قال: سئل ابن عباس هل للمشركين أن يتخذوا الكنائس في أرض العرب؟
فقال ابن عباس: " أما ما مصر المسلمون فلا ترفع فيه كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار ولا صليب ولا ينفخ فيه بوق ولا يضرب فيه ناقوس ولا يدخل فيه خمر ولا خنزير. وما كان من أرض صولحت صلحا فعلى المسلمين أن يفوا لهم بصلحهم ". قال: تفسير " ما مصر المسلمون " : ما كانت من أرض العرب أو أخذت من أرض المشركين عنوة.
‌‌‌‌وقال أبو بكر بن أبي شيبة (25) حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: أللعجم أن يحدثوا في أمصار المسلمين بناء أو بيعة؟
فقال: أما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بناء - أو قال بيعة - ولا يضربوا فيه ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزيرا أو يدخلوا فيه. وأما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوا (يعني عليهم) فللعجم ما في عهدهم، وللعجم على العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم.
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن أمصار العرب أو دار العرب هل للعجم أن يحدثوا فيها شيئا؟
فقال: " أيُّما مِصر مَصَّرَتْهُ العربُ فَلَيسَ للعَجمِ أن يبنوا فيهِ ولا يضربُوا فيه ناقوسا ولا يشربوا فيهِ خمرا ولا يتخِذُوا فيه خنزيرا، وأيما مصر مصرتهُ العجمُ ففتحه الله على العرب فنزلوا فيهِ فإن للعجم ما في عهدهمِ وعلى العربِ أن يوفُوا بعهدهم ولا يُكلفوهم فوق طاقتهم (26).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في " كتاب الأموال " ص 97: " سمعت علي بن عاصم يحدث عن أبي علي الرحبي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: " أيما مصر مصرته العرب ليس لأحد من أهل الذمة أن يبنوا فيه بيعة، ولا يباع فيه خمر، ولا يقتنى فيه خنزير، ولا يضرب فيه بناقوس، وما كان قبل ذلك فحق على المسلمين أن يوفوا لهم به " (27).
وقد أجاد الإمام أبو عبيد في شرح هذا الحديث حيث قال في كتاب الأموال ص 97 - 100 فقوله: " كل مصر مصرته العرب " يكون التمصير على وجوه: فمنها: البلاد التي يسلم عليها أهلها مثل المدينة والطائف واليمن، ومنها: كل أرض لم يكن لها أهل فاختطفها المسلمون اختطاطا ثم نزلوها مثل الكوفة والبصرة وكذلك الثغور.
ومنها: كل قرية افتتحت عنوة فلم ير الإمام أن يردها إلى الذين أخذت منهم، ولكنه قسمها بين اللذين افتتحوها كفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأهل خيبر.
فهذه أمصار المسلمين التي لاحظ لأهل الذمة فيها، إلا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان أعطى خيبر اليهود معاملة لحاجة المسلمين كانت إليهم، فلما استغنى عنهم أجلاهم عمر وعادت كسائر بلاد الإسلام. فهذا حكم أمصار العرب، وإنما نرى أصل هذا من قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « أخرجوا المشركين من جزيرة العرب » (28). وفي ذلك آثار.
حدثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر قال: { أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإخراج اليهود من جزيرة العرب } (29).
حدثنا يزيد عن حماد عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما » (30). قال: فأخرجهم عمر .
حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ومحمد بن عبيد عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: أجلى عمر المشركين من جزيرة العرب وقال: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان ". وضرب لمن قدم منهم أجلا قدر ما يبيعون سلعهم.
حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد قال: جاء أهل نجران إلى علي فقالوا: شفاعتك بلسانك وكتابك بيدك، أخرجنا عمر من أرضنا فردها إلينا صنيعة، فقال: ويلكم إن عمر كان رشيد الأمر فلا أغير شيئا صنعه عمر. حدثنا أبو معاوية قال الأعمش: كانوا يقولون: لو كان في نفسه عليه شيءٌ لاغتنم هذا.
وحدثنا أبو معاوية عن حجاج عمن سمع الشعبي يقول: قال علي لما قدم هاهنا - قال أبو عبيد: يعني الكوفة - ما قدمت لأحل عقدة شدها عمر. قال أبو عبيد: وإنما نرى عمر استجاز إخراج أهل نجران - وهم أهل صلح - لحديث يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيهم خاصة، يحدثونه عن إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة عن ابن سمرة عن أبيه عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان آخر ما تكلم به أن قال: « أخرجوا اليهود من الحجاز، وأخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب » (31). قال أبو عبيد: وإنما نراه قال ذلك -صلى الله عليه وسلم-لنكث كان منهم أو لأمر أحدثوه بعد الصلح، وذلك بين في كتاب كتبه عمر إليهم قبل إجلائه إياهم منها.

حدثنا ابن أبي زائدة عن ابن عون قال: قال لي محمد بن سيرين: انظر كتابا قرأته عند فلان بن جبير فكلم فيه زياد بن جبير قال: فكلمته فأعطاني، فإذا في الكتاب:
" بسم الله الرحمن الرحيم، من عمر أمير المؤمنين إلى أهل رعاش كلهم، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنكم زعمتم أنكم مسلمون ثم ارتدتم بعد، وإنه من يتب منكم ويصلح لا يضره ارتداده، ونصاحبه صحبة حسنة، فادكروا ولا تهلكوا، وليبشر من أسلم منكم، فمن أبى إلا النصرانية فإن ذمتي بريئة ممن وجدناه بعد عشر تبقى من شهر الصوم من النصارى بنجران. أما بعد: فإن يعلى كتب يعتذر أن يكون أكره أحدا منكم على الإسلام أو عذبه عليه إلا أن يكون قسرا جبرا ووعيدا لم ينفذ إليه منه شيء. أما بعد: فقد أمر يعلى أن يأخذ منكم نصف ما عملتم من الأرض وإني لن أريد نزعها منكم ما أصلحتم.
قال أبو عبيد: فهذه الأمصار التي ذكرنا في صدر هذا الباب - أي: باب ما يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا، إلخ... - وأشباهها مما مصر المسلمون هي التي لا سبيل لأهل الذمة فيها إلى إظهار شيء من شرائعهم.
وأما البلاد التي لهم فيها السبيل إلى ذلك فما كان منها صلحا صولحوا عليه، فلن ينتزع منهم، وهو تأويل قول ابن عباس الذي ذكرناه، قوله: " وما كان قبل ذلك فحق على المسلمين أن يوفوا لهم به ".
فمن بلاد الصلح: أرض هجر والبحرين وأيلة ودومة الجندل وأذرح، فهذه القرى التي أدت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجزية فهي على ما أقرهم عليه، وكذلك ما كان بعده من الصلح منه: بيت المقدس، افتتحه عمر بن الخطاب صلحا، وكذلك مدينة دمشق افتتحها خالد بن الوليد صلحا (32) وعلى هذا مدن الشام كانت كلها صلحا دون أرضها على يدي يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد، وكذلك بلاد الجزيرة يروى أنها كلها صلح صالحهم عليها عياض بن غنم، وكذلك قبط مصر صالحهم عمرو بن العاص، وكذلك بلاد خراسان يقال إنها أو أكثرها صلح على يدي عبد الله بن عامر بن كريز، وكان منتهى ذلك إلى مرو الروذ، وهذا في دهر عثمان.
وأما ما وراء ذلك فإنها افتتحت بعد على يدي سعيد بن عثمان بن عفان والمهلب بن أبي صفرة وقتيبة بن مسلم وغيرهم.
قال أبو عبيد: فهؤلاء على شرطهم لا يحال بينهم وبينها، وكذلك كل بلاد أخذت عنوة فرأى الإمام ردها إلى أهلها وإقرارها في أيديهم على ذمتهم ودينهم، كفعل عمر بأهل السواد، وإنما أخذ عنوة على يدي سعد. وكذلك بلاد الشام كلها عنوة ما خلا مدنها على يدي يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد. وكذلك الجبل أخذ عنوة في وقعة جاولاءَ ونهاوند على يدي سعد بن أبي وقاص والنعمان بن مقرن، وكذلك الأهواز أو أكثرها، وكذلك فارس على يدي أبي موسى الأشعري وعثمان بن أبي العاص وعتبة بن غزوان وغيرهم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وكذلك المغرب على يدي عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
حدثنا عبد الله بن صالح عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه قال: المغرب كله عنوة.
قال أبو عبيد: وكذلك الثغور، حدثنا هشام بن عمار عن يزيد بن سمرة، عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي العصماء الخثعمي، وكان ممن شهد فتح قيسارية، قال: حاصرها معاوية سبع سنين إلا أشهرا ثم فتحوها وبعثوا بفتحها إلى عمر بن الخطاب فقام عمر فنادى: ألا إن قيسارية فتحت قسرا. قال أبو عبيد: " فهذه بلاد العنوة وقد أقر أهلها فيها على مللهم وشرائعهم، ولكل هذه قصص وأنباء تأتي بما علمنا منها إن شاء الله " اهـ. المراد من كلام أبي عبيد في الأموال على أثر ابن عباس.
وقد قال السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس (2 /393): الذي اقتضاه أنه لا شيء يبقى من الكنائس إلا بعهد حيث يجوز العهد " كما ذكر في كلامه على أثر ابن عباس هذا (2 /391) ما نصه: " قد أخذ العلماء بقول ابن عباس هذا وجعلوه مع قول عمر وسكوت بقية الصحابة إجماعا " اهـ.
ثالثا - قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة - يعني ابن محمد - أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، قال: وشهدت عروة بن محمد يهدمها بصنعاء ". ذكر هذه الرواية بسندها ومتنها شمس الدين بن القيم في " أحكام أهل الذمة " (2 /676) وقد روى عبد الرزاق في مصنفه (6 /59) تحت عنوان " هدم كنائسهم وهل يضربوا بناقوسهم " هذا الأثر عن عمه وهب بن نافع بلفظ: " كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة بن محمد أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، قال: فشهدت عروة بن محمد ركب حتى وقف عليها ثم دعاني فشهدت على كتاب عمر وهدم عروة إياها فهدمها ". ولا يناقض هذا ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن حفص بن غياث عن أبي بن عبد الله النخعي قال: جاءنا كتاب عمر: " لا تهدم بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار صولحوا عليه " (33)؛ لأن قوله: " صولحوا عليه " قيد لا بد منه (34)؛ لأنه لم يقل أحد بإبقائها من غير صلح ولم يقل فيه ببلاد الإسلام فهو عام، والذي تقدم - أي كتابة عمر بن عبد العزيز على عروة بن محمد بهدمها - خاص ببلاد الإسلام ويكون هذا - أي قول عمر في رواية ابن عبد الله النخعي: " لا تهدم بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار صولحوا عليه " في بلاد المجوس ولذلك ذكر فيه بيت النار أو في بلادهم وبلاد النصارى التي صولحوا عنها وكانوا منفردين فيها فلا تنافي بين الروايتين اللتين نقلتا عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
والمقصود من ذلك إذا صحت الرواية الأولى أنه يعلم بها أنه لا صلح لهم على إبقائها في فتح بلاد الإسلام التي كانت تحت حكمه وأقربها الشام؛ لأنها سكنه ومصر والعراق يكتنفانها.
والرواية الثانية عن عمر بن عبد العزيز كتاب إلى قوم مخصوصين في بلاد مخصوصة، والرواية الأولى لفظ عام في بلاد الإسلام فهي خاصة بدار الإسلام عامة في الأحكام، بهذا جمع السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس ج2 من فتاوى السبكي ص390-391 بين الروايتين المنقولتين عن عمر بن عبد العزيز. وقال شمس الدين بن القيم في أحكام أهل الذمة (2 /690): " وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار " ولا يناقض هذا ما حكاه الإمام أحمد أنه أمر بهدم الكنائس، فإنها التي أحدثت في بلاد الإسلام اهـ.
رابعا: ما رواه عبد الرزاق في مصنفه (6 /60) قال: " أخبرنا معمر عن رجل عمن سمع الحسن قال: " من السنة أن تهدم الكنائس التي بالأمصار القديمة والحديثة ". وعن عبد الرزاق رواه الإمام أحمد بن حنبل كما في " أحكام أهل الذمة " (2 /676) قال أحمد: " قال عبد الرزاق وأخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول: إن من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة " اهـ. وقد ورد في هدم الكنائس مرفوعا ما أخرجه أبو الشيخ ابن حبان قال: ثنا ابن رستة وثنا أبو جعفر محمد بن علي بن مخلد قالا: ثنا أبو أيوب سليمان بن داود، ثنا محمد بن دينار، ثنا أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « اهدموا الصوامع واهدموا البيع » . ولكن قال السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس ج2 من الفتاوى ص373 - 374 بعد أن رواه من طريق ابن حبان المذكور قال: " إسناده ضعيف ولو صح لكان يمكن التمسك بعمومه فيما حدث في الإسلام وفيما قدم " اهـ.
خامسا: ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في باب " ما يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا في أرض العنوة وفي أمصار المسلمين وما لا يجوز " من " كتاب الأموال " قال: وحدثني أبو نعيم، عن شبل بن عباد، عن قيس بن سعد قال: سمعت طاوسا يقول: " لا ينبغي لبيت رحمة أن يكون عند بيت عذاب " قال أبو عبيد: أراه يعني الكنائس والبيع وبيوت النيران يقول: "لا ينبغي أن تكون مع المساجد في أمصار المسلمين" (35) اهـ.
ومن طريق أبي عبيد في " كتاب الأموال " هذا بسنده المذكور، أورد السبكي هذا الأثر في باب الأحاديث الواردة في منع ترميم الكنائس، وأورد معه تفسير أبي عبيد المذكور (36).

إيراد نصوص المذاهب الأربعة في الموضوع

قال الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: " لا ينبغي أن تترك في أرض العرب كنيسة ولا بيعة، ولا يباع فيها خمر وخنزير، مصرا كان أو قرية".
نقل ذلك عنه الإمام شمس الدين ابن القيم في " أحكام أهل الذمة " (2 /694)، وأما ما يعزى إلى الإمام أبي حنيفة من القول بأحداث الكنائس في القرى فيقول السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس، يقول حول ذلك (2 /387 - 388) ما نصه: " لعل أبا حنيفة إنما قال بإحداثها في القرى التي ينفردون بالسكنى فيها على عادتهم في ذلك المكان، وغيره من العلماء يمنعها لأنها في بلاد المسلمين وقبضتهم، وإن انفردوا فيها فهم تحت يدهم فلا يمكنون من إحداث الكنائس لأنها دار الإسلام، ولا يريد أبو حنيفة أن قرية فيها مسلمون فيمكن أهل الذمة من بناء كنيسة فيها. فإن هذه في معنى الأمصار فتكون محل إجماع وتكون الألف واللام في القرى التي جرت عادتهم بسكنهم فيها لاشتغالهم بأعمال المسلمين من الفلاحة وغيرها. أو لما يرجى من إسلامهم صاغرين باذلين للجزية، فإنا لو لم نبقهم في بلاد الإسلام لم يسمعوا محاسنه فلم يسلموا، ولو بقيانهم بلا جزية ولا صغار غروا وأنفوا، فبقيناهم بالجزية لا قصدا فيها بل في إسلامهم. ولهذا إذا نزل عيسى عليه السلام لا يقبلها لأن مدة الدنيا التي يرجى فيها إسلامهم فرغت والحكم يزول بزوال علته، فزوال حكم قبول الجزية بزوال علته وهو انتظار إسلامهم، وذلك حكم من أحكام شريعة النبي -صلى الله عليه وسلم- وليس حكما جديدا، فإن عيسى عليه السلام إنما ينزل حاكما بشريعة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
قال السبكي: وبعد أن كتبت هذا وقفت على شرح " مجمع البحرين " لابن الساعاتي من كتب الحنفية فقال: " وهذا المذكور إنما هو في الأمصار دون القرى؛ لأن الأمصار محل إقامة الشعائر، وقال صاحب " الهداية ": والمروي في ديارنا يمنعون عن إظهار ذلك في القرى أيضا؛ لأن لها بعض الشعائر، والمروي عن صاحب الهداية - رحمه الله - في قرى الكوفة لأن أكثر أهلها أهل الذمة، وفي أرض العرب يمنعون من ذلك في أمصارهم وقراهم، وفي " الكافي " من كتب الحنفية لحافظ الدين قريب من ذلك " اهـ. هكذا ذكر السبكي هنا.

وقد قال في موضع آخر من هذه الفتوى في الباب الذي عقده لما في هذا الباب من الآثار قال ص 388: " وقول أبي حنيفة بإبقائها في القرى بعيد لا دليل عليه، ولعله أخذه من مفهوم قول ابن عباس الذي سنحكيه في المصر، ونحن نقول: إنما يعني بالمصر أي موضع كان مدينة أو قرية " اهـ. وقد وفى السبكي بوعده أن يأتي بقول ابن عباس الذي أشار إليه حيث قال (2 /391) من الفتاوى: " وأما قول ابن عباس فاشتهر اشتهارا كثيرا سنذكره، وهو ما رواه عنه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: أللعجم أن يحدثوا في أمصار المسلمين بناء أو بيعة، فقال: أما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بناء - أو قال بيعة - ولا يضربوا فيه ناقوسا، ولا يشربوا فيه خمرا، ولا يتخذوا فيه خنزيرا أو يدخلوا فيه. وأما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوا - يعني عليهم - فللعجم ما في عهدهم، وللعجم على العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم " قال السبكي: " وقد أخذ العلماء بقول ابن عباس هذا وجعلوه مع قول عمر وسكوت بقية الصحابة إجماعا " اهـ.
وأما أصحاب مالك فقال في الجواهر: " إن كانوا في بلدة بناها المسلمون فلا يمكنون من بناء كنيسة، وكذلك لو ملكنا رقبة بلدة من بلادهم قهرا، وليس للإمام أن يقر فيها كنيسة بل يجب نقض كنائسهم بها. أما إذا فتحت صلحا على أن يسكنوها بخراج ورقبة الأبنية للمسلمين وشرطوا إبقاء كنيسة جاز. وأما إن افتتحت على أن تكون رقبة البلد لهم وعليهم خراج ولا تنقض كنائسهم فذلك لهم ثم يمنعون من رمها، قال ابن الماجشون: ويمنعون من رم كنائسهم القديمة إذا رثت إلا أن يكون ذلك شرطا في عقدهم فيوفى لهم، ويمنعون من الزيادة الظاهرة والباطنة. ونقل الشيخ أبو عمر أنهم لا يمنعون من إصلاح ما وهي منها وإنما منعوا من إصلاح كنيسة فيما بين المسلمين لقوله « لا يُرفع فيكم يهودية ولا نصرانية » فلو صولحوا على أن يتخذوا الكنائس إن شاءوا.
فقال ابن الماجشون: لا يجوز هذا الشرط ويمنعون منها إلا في بلدهم الذي يسكنه معهم المسلمون فلهم ذلك وإن لم يشترطوه، قال: وهذا في أهل الصلح. وأما أهل العنوة فلا تترك لهم عند ضرب الجزية عليهم كنيسة إلا هدمت ثم لا يمكنون من إحداث كنيسة بعد وإن كانوا معتزلين عن بلاد الإسلام " اهـ. ما نقله ابن القيم عن المالكية في حكم الأمصار التي وجدت فيها الكنائس، ومن المالكية الذين بحثوا في موضوع الكنائس الإمام أبو بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي المالكي في كتابه " سراج الملوك " قال في حكم الكنائس: " أمر عمر بن الخطاب أن تهدم كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام، ومنع أن تحدث كنيسة، وأمر أن لا تظهر عليه خارجة من كنيسة ولا يظهر صليب خارج من الكنيسة إلا كسر على رأس صاحبه، وكان عروة بن محمد يهدمها بصنعاء، وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين، وشدد في ذلك عمر بن عبد العزيز وأمر أن لا يترك في دار الإسلام بيعة ولا كنيسة بحال قديمة ولا حديثة. وهكذا قال الحسن البصري قال: من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة ويمنع أهل الذمة من بناء ما خرب " اهـ كلام الطرطوشي في " سراج الملوك " وما ذكره عن عروة بن محمد بن عبد العزيز والحسن البصري رواه عنهما الإمام أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق كما في " أحكام أهل الذمة " لابن القيم، فقد قال ابن القيم: قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة - يعني ابن محمد - أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين. قال: وشهدت عروة بن محمد يهدمها في صنعاء. قال عبد الرزاق: وأخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول: إن من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة " اهـ.
وقال الشافعي في المختصر: " ولا يحدثوا في أمصار المسلمين كنيسة ولا مجتمعا لصلواتهم، ولا يظهرون فيها حمل الخمر ولا إدخال خنزير، ولا يحدثوا بناء يطولون به على بناء المسلمين، وأن يفرقوا بين هيئاتهم في المركب والملبس وبين هيئات المسلمين، وأن يعقدوا الزنار على أوساطهم، ولا يدخلوا مسجدا، ولا يسقوا مسلما خمرا ولا يطعموه خنزيرا، وإن كانوا في قرية يملكونها منفردين لم يعرض لهم في مرهم وخنازيرهم هم ورفع بنيانهم، وإن كان لهم بمصر المسلمين كنيسة أو بناء طويل كبناء المسلمين لم يكن للمسلمين هدم ذلك وترك على ما وجد ومنعوا من إحداث مثله. وهذا إذا كان المصر للمسلمين أحيوه أو فتحوه عنوة. وشرط هذا على أهل الذمة. وإن كانوا فتحوا بلادهم على صلح منهم على تركهم وإياه خلوا وإياه، ولا يجوز أن يصالحوا على أن ينزلوا بلاد الإسلام يحدثون فيها ذلك ".

قال صاحب " النهاية " في شرحه:
" البلاد قسمان: بلدة ابتناها المسلمون فلا يمكن أهل الذمة من إحداث كنيسة فيها ولا بيت نار فإن فعلوا نقض عليهم.
فإن كان البلد للكفار وجرى فيه حكم المسلمين فهذا قسمان:
فإن فتحه المسلمون عنوة وملكوا رقاب الأبنية والعراص تعين نقض ما فيها من البيع والكنائس، وإذا كنا ننقض ما نصادف من الكنائس والبيع فلا يخفى أنا نمنعهم من استحداث مثلها، ولو رأى الإمام أن يبقي كنيسة ويقر في البلد طائفة من أهل الكتاب فالذي قطع به الأصحاب منع ذلك.
وذكر العراقيون وجهين:
أحدهما: أنه يجوز للإمام أن يقرهم ويبقي الكنيسة عليهم.
والثاني: لا يجوز ذلك وهو الأصح الذي قطع به المراوزة: هذا إذا فتحنا البلد عنوة. فإن فتحناها صلحا فهذا ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يقع الفتح على أن رقاب الأراضي للمسلمين ويقرون فيها بمال يؤدونه لسكناها سوى الجزية، فإن استثنوا في الصلح البيع والكنائس لم ينقض عليهم.
وإن أطلقوا وما استثنوا بيعهم وكنائسهم ففي المسألة وجهان:
الوجه الأول: أنها تنقض عليهم؛ لأن المسلمين ملكوا رقاب الأبنية والبيع، والكنيسة تغنم كما تغنم الدور.
الوجه الثاني: لا نملكها؛ لأن شرطنا تقريرهم وقد لا يتمكنون من المقام إلا بتبقية مجتمع لهم فيها يرونه عبادة.
وحقيقة الخلاف: ترجع إلى أن اللفظ في مطلق الصلح هل يتناول البيع والكنائس مع القرائن التي ذكرناها؟.
القسم الثاني: أن يفتحها المسلمون على أن تكون رقاب الأرض لهم، فإذا وقع الصلح كذلك لم يتعرض للبيع والكنائس.
ولو أرادوا إحداث كنائس:
فالمذهب أنهم لا يمنعون فإنهم متصرفون في أملاكهم، وأبعد بعض أصحابنا فمنعهم من استحداث ما لم يكن، فإنه إحداث بيعة في بلد هي تحت حكم الإسلام " (37).
وأما الحنبلية: فقد قال الخلال في كتاب " أحكام أهل الملل " باب " الحكم فيما أحدثته النصارى مما لم يصالحوا عليه ": أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: كان المتوكل لما حدث من أمر النصارى ما حدث كتب إلى القضاة ببغداد يسألهم أبي حسان الزيادي وغيره، فكتبوا إليه واختلفوا، فلما قرئ عليه قال: اكتب بما أجاب به هؤلاء إلى أحمد بن حنبل ليكتب إلي ما يرى في ذلك.
قال عبد الله: ولم يكن في أولئك الذين كتبوا أحد يحتج بالحديث إلا أبا حسان الزيادي، واحتج بأحاديث عن الواقدي، فلما قرئ على أبي عرفه وقال: هذا جواب أبي حسان، وقال: هذه أحاديث ضعاف، فأجابه أبي واحتج بحديث ابن عباس رضي الله عنهما فقال: ثنا معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن أمصار العرب أو دار العرب هل للعجم أن يحدثوا فيها شيئا؟.
فقال: " أيما مصر مصرته العرب... " فذكر الحديث (38) قال: وسمعت أبي يقول: ليس لليهود ولا للنصارى أن يحدثوا في مصر مصره المسلمون بيعة ولا كنيسة، ولا يضربوا فيه بناقوس إلا فيما كان لهم صلحا. وليس لهم أن يظهروا الخمر في أمصار المسلمين على حديث ابن عباس: " أيما مصر مصره المسلمون ".
أخبرنا حمزة بن القاسم وعبد الله بن أحمد بن حنبل وعصمة قالوا: حدثنا حنبل قال: قال أبو عبد الله: " وإذا كانت الكنائس صلحا تركوا على ما صالحوا عليه. فأما العنوة فلا. وليس لهم أن يحدثوا بيعة ولا كنيسة لك تكن، ولا يضربوا ناقوسا، ولا يرفعوا صليبا، ولا يظهروا خنزيرا، ولا يرفعوا نارا ولا شيئا مما يجوز لهم فعله في دينهم يمنعون من ذلك ولا يتركون. قلت: للمسلمين أن يمنعوهم من ذلك؟. قال: نعم، على الإمام منعهم من ذلك. السلطان يمنعهم من الإحداث إذا كانت بلادهم فتحت عنوة. وأما الصلح فلهم ما صولحوا عليه يوفى لهم وقال: الإسلام يعلو ولا يعلى ولا يظهرون خمرا. قال الخلال: كتب إلي يوسف بن عبد الله الإسكافي: ثنا الحسن بن علي بن الحسن أنه سأل أبا عبد الله عن البيعة والكنيسة تحدث قال: يرفع أمرها إلى السلطان (39).

تقسيم البلاد التي تفرق فيها أهل العهد والذمة وحكم الكنائس فيها

قسم الإمام ابن القيم في " أحكام أهل الذمة " (2 /669) البلاد التي تفرق فيها أهل الذمة والعهد إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام.
الثاني: بلاد أنشئت قبل الإسلام فافتتحها المسلمون عنوة وملكوا أرضها وساكنيها.
الثالث: بلاد أنشئت قبل الإسلام وفتحها المسلمون صلحا.
ثم قال ابن القيم:
أما القسم الأول: فهو مثل البصرة والكوفة وواسط وبغداد والقاهرة. أما البصرة والكوفة فأنشئتا في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قال يزيد بن هارون: أخبرنا زياد بن أبي زياد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن نافع بن الحارث قال: كان أمير المؤمنين قد هم أن يتخذ للمسلمين مصرا، وكان المسلمون قد غزوا من قبل البحر وفتحوا الأهواز وكابل وطبرستان، فلما افتتحوها كتبوا إليه: أنا وجدنا بطبرستان مكان لا بأس به، فكتب إليهم: إن بيني وبينكم دجلة ولا حاجة لي في شيء بيني وبينكم فيه دجلة أن نتخذه مصرا.
قال: فقدم عليه رجل من بني سدوس يقال له ثابت فقال له: يا أمير المؤمنين، إني مررت بمكان دون دجلة به بادية يقال لها الخريبة ويقال للأرض البصرة، وبينها وبين دجلة فرسخ فيه خليج يجري فيه الماء وأجمة قصب، فأعجب ذلك عمر فدعا عتبة بن غزوان فبعثه في أربعين رجلا فيهم نافع بن الحارث زياد أخوه لأمه.
قال سيف بن عمرو: مصرت البصرة سنة ست عشرة واختطت قبل الكوفة بثمانية أشهر. وقال قتادة: أول من مصر البصرة رجل من بني شيبان يسمى المثنى بن حارثة، وإنه كتب إلى عمر " إني نزلت أرضا بصرة " فكتب إليه: " إذا أتاك كتابي هذا فاثبت حتى يأتيك أمري ". فبعث عتبة بن غزوان معلما وأميرا فغزا الأبلة.
وقال حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: إن عمر بن الخطاب مصر البصرة والكوفة.
قال: وأما واسط فبناها الحجاج بن يوسف سنة ست وثمانين من الهجرة في السنة التي مات فيها عبد الملك بن مروان.
وأما بغداد فقال سليمان بن المجالد وزير أبي جعفر: " خرجت مع أبي جعفر يوما - قبل أن نبتني مدينة بغداد - ونحن نرتاد موضعا نبني فيه مدينة يكون فيها عسكره، قال: فبصرنا بقس شيخ كبير ومعه جماعة من النصارى فقال: اذهب بنا إلى هذا القس نسأله، فمضى إليه فوقف عليه أبو جعفر فسلم عليه ثم قال: يا شيخ أبلغك أنه يبنى هنا مدينة؟ قال: نعم، ولست بصاحبها، قال: وما علمك؟ قال القس: وما اسمك؟ قال: اسمي عبد الله، قال: فلست بصاحبها، قال: فما اسم صاحبها؟ قال: مقلاص. قال: فتبسم أبو جعفر وصغا إلي فقال: أنا والله مقلاص، كان أبي يسميني وأنا صغير مقلاصا، فاختط موضع مدينة أبي جعفر.
وتحول أبو جعفر من الهاشمية إلى بغداد وأمر ببنائها، ثم رجع إلى الكوفة في سنة أربع وأربعين ومائة وفرغ من بنائها ونزلها مع جنده وسماها مدينة السلام سنة خمس وأربعين ومائة، وفرغ من بناء الرصافة سنة أربع وخمسين ومائة.
وقال سليمان بن مجالد: الذي تولى الوقوف على خط بغداد: الحجاج بن أرطاة وجماعة من أهل الكوفة، وكذلك سامرا بناها المتوكل، وكذلك المهدية التي بالمغرب وغيرها من الأمصار التي مصرها المسلمون، فهذه البلاد صافية للإمام إن أراد الإمام أن يقر أهل الذمة فيها ببذل الجزية جاز، فلو أقرهم الإمام على أن يحدثوا فيها بيعة أو كنيسة أو يظهروا فيها خمرا أو خنزيرا أو ناقوسا لم يجز، وإن شرط ذلك وعقد عليه الذمة كان العقد والشرط فاسدا، وهو اتفاق من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع ".
قال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن خالد الخياط، أخبرنا الليث بن سعد، عن توبة بن النمر الحضرمي قاضي مصر عمن أخبره قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة » .
وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، فذكره بإسناده ومتنه وقد روي موقوفا على عمر بغير هذا الإسناد.
قال علي بن عبد العزيز: حدثنا أبو القاسم، حدثني أبو الأسود، عن أبي لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني قال: قال عمر بن الخطاب " لا كنيسة في الإسلام ولا خصاء ".
وقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن أمصار العرب أو دار العرب هل للعجم أن يحدثوا فيها شيئا؟.
فقال: " أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه ولا يضربوا ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزيرا، وأيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوا فيه فإن للعجم ما في عهدهم وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم ".
قال عبد الله بن أحمد: وسمعت أبي يقول: " ليس لليهود والنصارى أن يحدثوا في مصر مصره المسلمون بيعة ولا كنيسة ولا يضربوا فيه بناقوس إلا في مكان لهم صالح، وليس لهم أن يظهروا الخمر في أمصار المسلمين ".
وقال المروذي: قال لي أبو عبد الله: سألوني عن الديارات في المسائل التي وردت من قبل الخليفة فقلت: أي شيء تذهب أنت؟ فقال: ما كان من صلح يقر وما كان أحدث بعد يهدم.
وقال أبو طالب: سألت عبد الله عن بيع النصارى ما كان في السواد وهل أقرها عمر؟.
فقال: السواد فتح بالسيف فلا يكون فيه بيعة، ولا يضرب فيه ناقوس، ولا يتخذ فيه الخنازير ولا يشرب الخمر ولا يرفعوا أصواتهم في دورهم إلا الحيرة وبانقيا ودير صلوبا، فهؤلاء أهل صلح صولحوا ولم يحاربوا، فما كان منها لم يخرب وما كان غير ذلك فكله محدث يهدم. وقد كان أمر بهدمها هارون، وكل مصر مصرته العرب فليس لهم أن يبنوا فيه بيعة ولا يضربوا فيه ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزيرا. وما كان من صلح صولحوا عليه فهو على صلحهم وعهدهم. وكل شيء فتح عنوة فلا يحدثوا فيه شيئا من هذا، وما كان من صلح أقروا على صلحهم واحتج فيه بحديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وقال أبو الحارث: سئل أبو عبد الله عن البيع والكنائس التي بناها أهل الذمة وما أحدثوا فيها مما لم يكن.
قال: تهدم وليس لهم أن يحدثوا شيئا من ذلك فيما مصره المسلمون، يمنعون من ذلك إلا مما صولحوا عليه.
قيل لأبي عبد الله: إيش الحجة في أن يمنع أهل الذمة أن يبنوا بيعة أو كنيسة إذا كانت الأرض ملكهم وهو يؤدون الجزية وقد منعنا من ظلمهم وأذاهم؟.
قال: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: " أيما مصر مصرته العرب ".
وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة - يعني ابن محمد - أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين.
قال: وشهدت عروة بن محمد يهدمها بصنعاء.
قال عبد الرزاق: وأخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول: إن من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة. ذكره أحمد عن عبد الرزاق.
وهذا الذي جاءت به النصوص والآثار هو مقتضى أصول الشرع وقواعده، فإن إحداث هذه الأمور إحداث شعار الكفر، وهو أغلظ من إحداث الخمارات والمواخير، فإن تلك شعار الكفر وهذه شعار الفسق.
ولا يجوز للإمام أن يصالحهم في دار الإسلام على إحداث شعائر المعاصي والفسوق، فكيف إحداث مواضع الكفر والشرك؟!
فإن قيل: فما حكم هذه الكنائس التي في البلاد التي مصرها المسلمون؟
قيل: هي على نوعين:
أحدهما: أن تحدث الكنائس بعد تمصير المسلمين لمصر، فهذه تزال اتفاقا (40).
الثاني: أن تكون موجودة بفلاة من الأرض ثم يمصر المسلمون حولها المصر، فهذه لا تزال والله أعلم.
القسم الثاني: من البلاد - حسبما أوضحه ابن القيم - الأمصار التي أنشأها المشركون ومصروها ثم فتحها المسلمون عنوة وقهرا بالسيف، قال: فهذه لا يجوز أن يحدث فيها شيء من البيع والكنائس، وأما ما كان من ذلك قبل الفتح فهل يجوز إبقاؤه أو يجب هدمه؟
فيه قولان في مذهب أحمد، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وغيره.
القول الأول: تجب إزالته وتحرم تبقيته؛ لأن البلاد قد صارت ملكا للمسلمين فلم يجز أن يقر فيها أمكنة شعار الكفر، كالبلاد التي مصرها المسلمون ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم- « لا تصلح قبلتان ببلد » (41).
وكما لا يجوز إبقاء الأمكنة التي هي شعار الفسوق كالخمارات والمواخير، ولأن أمكنة البيع والكنائس قد صارت ملكا للمسلمين فتمكين الكفار من إقامة شعار الكفر فيها كبيعهم وإجارتهم إياها لذلك، ولأن الله تعالى أمر بالجهاد حتى يكون الدين كله له، وتمكينهم من إظهار شعار الكفر في تلك المواطن جعل الدين له ولغيره.
وهذا القول هو الصحيح.
والقول الثاني: يجوز إبقاؤها لقول ابن عباس رضي الله عنهما: " أيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوه فإن للعجم ما في عهدهم "، ولأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتح خيبر عنوة وأقرهم على معابدهم فيها ولم يهدمها، ولأن الصحابة رضي الله عنهم فتحوا كثير من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئا من الكنائس التي بها، ويشهد لصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة، ومعلوم قطعا أنها ما أحدثت بل كانت موجودة قبل الفتح.
وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: " أن لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار ".
ولا يناقض هذا ما حكاه الإمام أحمد أنه أمر بهدم الكنائس، فإنها التي أحدثت في بلاد الإسلام، ولأن الإجماع قد حصل على ذلك فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير.
وفصل الخطاب أن يقال: إن الإمام يفعل في ذلك ما هو الأصلح للمسلمين، فإن كان أخذها منهم أو إزالتها هو المصلحة - لكثرة الكنائس أو حاجة المسلمين إلى بعضها وقلة أهل الذمة - فله أخذها أو إزالتها بحسب المصلحة، وإن كان تركها أصلح - لكثرتهم وحاجتهم إليها وغنى المسلمين عنها - تركها.
وهذا الترك تمكين لهم من الانتفاع بها لا تمليك لهم رقابها، فإنها قد صارت ملكا للمسلمين، فكيف يجوز أن يجعلها ملكا للكفار؟! وإنما هو انتفاع بحسب المصلحة، فللإمام انتزاعها متى رأى المصلحة في ذلك.
ويدل عليه أن عمر بن الخطاب والصحابة معه أجلوا أهل خيبر من دورهم ومعابدهم بعد أن أقرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها. ولو كان ذلك الإقرار تمليكا لم يجز إخراجهم عن ملكهم إلا برضا أو معاوضة.
ولهذا لما أراد المسلمون أخذ كنائس العنوة التي خارج دمشق في زمن الوليد بن عبد الملك صالحهم النصارى على تركها وتعويضهم عنها بالكنيسة التي زيدت في الجامع.
ولو كانوا قد ملكوا تلك الكنائس بالإقرار لقالوا للمسلمين: كيف تأخذون أملاكنا قهرا وظلما؟ بل أذعنوا إلى المعارضة لما علموا أن للمسلمين أخذ تلك الكنائس منهم وأنها غير ملكهم كالأرض التي هي بها.

فبهذا التفصيل تجتمع الأدلة وهو اختيار شيخنا.
ويدل عليه فعل الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من أئمة الهدى، وعمر بن عبد العزيز هدم منها ما رأى المصلحة في هدمه، وأقر ما رأى المصلحة في إقراره، وقد أفتى الإمام أحمد المتوكل بهدم كنائس السواد وهي أرض العنوة.
القسم الثالث: من البلاد ما فتح صلحا.
قال ابن القيم فيه: وهذا نوعان:
أحدهما: أن يصالحهم على أن الأرض لهم ولنا الخراج عليها، أو يصالحهم على مال يبذلونه وهي الهدنة، فلا يمنعون من إحداث ما يختارونه فيها؛ لأن الدار لهم، كما صالح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهل نجران ولم يشترط عليهم أن لا يحدثوا كنيسة ولا ديرا.
النوع الثاني: أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين ويؤدون الجزية إلينا.
فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم من تبقية وإحداث وعمارة؛ لأنه إذا جاز أن يقع الصلح معهم على أن الكل لهم جاز أن يصالحوا على أن يكون بعض البلد لهم.
والواجب عند القدرة: أن يصالحوا على ما صالحهم عليه "عمر" ويشترط عليهم الشروط المكتوبة في كتاب عبد الرحمن بن غنم: " أن لا يحدثوا بيعة ولا صومعة راهب ولا قلاية " فلو وقع الصلح مطلقا من غير شرط حمل على ما وقع عليه صلح عمر، وأخذوه بشرطه لأنها صارت كالشرع، فيحمل مطلق صلح الأئمة بعده عليها.

نختم هذا البحث برسالتين لشيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية لما تحتويان عليه من تحقيقات قيمة.
إحداهما: أوردها ابن القيم في " أحكام أهل الذمة " (2 /677 - 686).
والثانية: في [مجموعة الرسائل والمسائل] لشيخ الإسلام ابن تيمية التي أولها [الرسالة العرشية].
وذلك على الرابط التالي/
=================================
(1) توفي الشيخ إسماعيل - رحمه الله تعالى - فجر يوم الجمعة الموافق 26 / 11 / 1417 هـ، وذلك عن عمر يناهز السابعة والسبعين عاما.
(2) مسلم النذر (1641) ، النسائي الأيمان والنذور (3812) ، أبو داود الأيمان والنذور (3316)، أحمد (4/430 )، الدارمي السير (2505).
(3) فتاوى السبكي (2 / 372، 373).
(4) الترمذي الزكاة (633)، أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3032)، أحمد (1/285).
(5) الترمذي الزكاة (633)، أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3053)، أحمد (1/285).
(6) رواه أبو عبيد في باب الجزية على من أسلم من أهل الذمة أو مات وهي عليه " من كتاب الأموال ص 47 " قال: حدثنا مصعب بن المقدام، عن سفيان بن سعيد، عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه قال: قال رسول الله ليس على مسلم جزية.
(7) الترمذي الزكاة (633)، أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3032)، أحمد (1/223).
(8) الترمذي الزكاة (633)، أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3032)، أحمد (1/285).
(9) الترمذي الزكاة (633)، أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3032)، أحمد (1/285).
(10) الترمذي السير (1604)، أبو داود الجهاد (2787).
(11) وقد قال البيهقي في باب الأسير: يؤخذ عليه العهد أن لا يهرب، من سننه الكبرى (9 / 142) قال: " أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا إسحاق بن إدريس، ثنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرةعن النبي قال: " لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا " اهـ.
(12) الترمذي السير (1604)، النسائي القسامة (4780)، أبو داود الجهاد (2645).
(13) مالك الجامع (1650).
(14) البخاري الشروط (2580)، أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3007)، مالك الجامع (1651).
(15) البخاري الشروط (2580)، أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3007)، مالك الجامع (1651).
(16) أحمد (6/275).
(17) ومن طريق الإمام أحمد هذه أورد ابن القيم هذا الحديث في أحكام أهل الذمة (2 / 673) بسنده ومتنه.
(18) كتاب الأموال باب ما يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا في أرض العنوة وفي أمصار المسلمين وما لا يجوز ص 94، ورواه أيضا موقوفا على عمر بغير هذا الإسناد، قال أبو عبيد: حدثني أبو الأسود عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير- أي مرثد بن عبد الله اليزني - قال: قال عمر بن الخطاب: " لا كنيسة في الإسلام ولا خصاء ". حدثني أحمد بن بكير عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عمر مثل ذلك، ولم يذكره عن أبي الخير اهـ.
(19) كتاب الأموال باب ما يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا في أرض العنوة ص 94.
(20) ذكره ابن القيم في أحكام أهل الذمة (2 / 673 ) من طريق علي بن عبد العزيز هذا بسنده هذا ومتنه.
(21) روى الحافظ عبد الله بن زبر في جزء ألفه في هذه الشروط عن أبي الأحوص محمد بن الهيثم، عن محمد بن إسماعيل بن عياش، عن أبيه أن هذا الكتاب من عياض بن غنم لذمة حمص ثم قال: " وفي رواية عبد القدوس بن الحجاج عن إسماعيل بن عياش أن غير واحد أخبروه أن أهل الجزيرة كتبوا لعبد الرحمن بن غنم: أنك لما قدمت بلادنا طلبنا إليك الأمان إلى آخره.. قال ابن زبر: هذا غلط لأن الذي افتتح الجزيرة وصالح أهلها هو عياض بن غنم، ما عملت في ذلك اختلافا، فذكر عبد الرحمن في هذا الموضوع غلط، وأبو عبيدة هو الذي فتح حمص بلا شك، وأول من وليها عياض بن غنم، ولاه عمر في سنة ستة عشر ". أفاد هذا كله السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس ج2 من الفتاوى ص 400.
(22) أوضح العلامة ابن القيم في أحكام أهل الذمة (2 / 668 - 669 ) معاني الألفاظ التي وردت في هذا الكتاب وهي: كنيسة، والدير، والقلاية، والصومعة، فذكر في الكنيسة أنها لأهل الكتابين وقال: " فأما الدير فللنصارى خاصة يبنونه للرهبان خارج البلد يجتمعون فيه للرهبانية والتفرد عن الناس. وأما القلاية فيبنيها رهبانهم مرتفعة كالمنارة، والفرق بينها وبين الدير: أن الدير يجتمعون فيه والقلاية لا تكون إلا لواحد ينفرد بنفسه ولا يكون لها باب بل فيها طاقة يتناول منها طعامه وشرابه وما يحتاج إليه، وأما الصومعة فهي كالقلاية تكون للراهب وحده. قال الأزهري: الصومعة من البناء سميت صومعة لتلطف أعلاها، يقال: صمع الثريدة إذا رفع رأسها وحدده، وتسمى الثريد إذا كنت كذلك صومعة. ومن هذا يقال: رجل أصمع القلب إذا كان حاد الفطنة، ومنهم من فرق بين الصومعة والقلاية بأن القلاية تكون منقطعة في فلاة من الأرض والصومعة تكون على الطرق. هكذا فسر ابن القيم هذه الألفاظ وذكر أن ما سوى الكنيسة منها له حسكم الكنيسة، وأضاف إلى ذلك أن أهل اللغة وأهل التفسير على أن البيعة متعبد للنصارى إلا ما حكي عن ابن عباس أنه قال: " البيع مساجد اليهود " اهـ.
(23) ذكر السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس (2 / 400) أن هذه الرواية رواها أبو يعلى في كتاب ما يلزم أهل الذمة عن عبد الله بن أحمد عن أبي شرحبيل الحمصي عيسى بن خالد.
(24) ص 663 - 664، وقد قال ابن كثير في تفسير الآية الكريمة " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " إلى قوله: " حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " قال في الخبر المحتوي على تلك الشروط: " رواه الأئمة الحفاظ من رواية عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: (كتبت لعمر بن الخطابحين صالح نصارى من أهل الشام: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين) فذكره.
(25) من طريق ابن أبي شيبة، بسنده هذا روى السبكي في فتوى له في منع ترميم الكنائس أثر ابن عباس هذا وقال ج2 من الفتاوى ص 391: " قد أخذ العلماء بقول ابن عباس وجعلوه مع قول عمر وسكوت بقية الصحابة إجماعا ".
(26) أورده ابن القيم في ج 2 من " أحكام أهل الذمة " ص 674 من طريق الإمام أحمد هذا بسنده ومتنه.
(27) كتاب الأموال ص 97، وقد استدل السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس ج 2 من الفتاوى ص 377 استدل للوفاء لهم بشرطهم بما روى أبو داود في سننه عن مصرف بن عمرو اليامي عن يونس بن بكير عن أسباط بن نصر عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، وكلهم ثقات، عن ابن عباس أن رسول الله صالح أهل نجران على ألفي حلة، النصف في صفر والنصف في رجب، يؤدونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد أو غدرة، على أن لا يهدم لهم بيعة ولا يخرج لهم قس ولا يفتنوا عن دينهم ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا. قال إسماعيل: فقد أكلوا الربا. قال أبو داود: ونقضوا بعض ما اشترط عليهم. قال السبكي: وهذا الحديث في صلح نجران حسن جدا، عمدة في هذا النوع من الصلح وتسويغ أن يشترط لهم في مثله عدم هدم بيعهم. اهـ.
(28) البخاري الجهاد والسير (2888)، مسلم الوصية (1637)، أحمد (1/222).
(29) مسلم الجهاد والسير (1767)، الترمذي السير (1606)، أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3030)، أحمد (1/ 29).
(30) مسلم الجهاد والسير (1767)، الترمذي السير (1607)، أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3030)، أحمد (1/29).
(31) أحمد (1/195)، الدارمي السير (2498).
(32) قال أبو عبيد في " كتاب الأموال " تحت عنوان " هذا كتاب صلح خالد بن الوليد إلى أهل دمشق "، " حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن ابن سُراقة أن خالد بن الوليد كتب لأهل دمشق: هذا كتاب من خالد بن الوليد لأهل دمشق، إني قد أمنتهم على دمائهم وأموالهم وكنائسهم "، قال أبو عبيد: وقد ذكر فيه كلاما لا أحفظه وفي آخره " شهد أبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة وقضاعي بن عامر وكتبه سنة ثلاث عشر " اهـ، والكلام الذي ذكر أبو عبيد أنه لم يحفظه هو: " أن لا تسكن ولا تهدم "، يظهر ذلك مما في تاريخ دمشق لابن عساكر ومن طريقه أورده السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس، وهي في ج2 من فتاوى السبكي ص 400 ولفظه: " عن خالد أنه كتب كتاب صلح لأهل دمشق: إني أمنتهم على دمائهم وأموالهم وكنائسهم أن لا تسكن ولا تهدم " اهـ.
(33) عزاه إلى ابن أبي شيبة بالسند المذكور السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس، ورواه أبو عبيد في باب " ما يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا في أرض العنوة " إلخ. قال ص 95: وحدثنا حفص بن غياث عن أبي بن عبد الله قال: أتانا كتاب عمر بن عبد العزيز: " لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار ولا تحدثوا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار ولا تحدوا شفرة على رأس بهيمة ولا تجمعوا بين صلاتين إلا من عذر) اهـ.
(34) مما يشهد لكونه قيدا لا بد منه ما ورد في رواية عبد الرزاق في مصنفه (6 / 61) عن معمر بن عمرو بن ميمون أنه قال: " واستشارني عمر - أي ابن عبد العزيز- في هدم كنائسهم - أي نصارى الشام- فقلت: لا تهدم هذا ما صولحوا عليه، فتركها عمر " اهـ. وكذلك ما رواه أبو عبيد في باب أهل الصلح يتركون على ما كانوا عليه قبل ذلك من أمورهم، من كتاب الأموال ص 152 قال: " حدثني نعيم بن حماد عن ضمرة بن ربيعة عن رجاء بن أبي سلمة قال: خاصم حسان بن مالك عجم أهل دمشق إلى عمر بن عبد العزيز في كنيسة، وكان فلان - سمى رجل من الأمراء - أقطعه إياها، فقال عمر: إن كانت من الخمس عشرة كنيسة التي في عهدهم فلا سبيل لك إليها. وقال ضمرة عن علي بن أبي حملة: خاصمنا عجم أهل دمشق إلى عمر بن عبد العزيز في كنيسة كان فلان قطعها لبني نصر بدمشق، فأخرجنا عمر بن عبد العزيز منها وردها إلى النصارى، فلما ولي يزيد بن عبد الملك ردها على بني نصر وأخرج منها النصارى ".
(35) كتاب الأموال ص 95.
(36) فتاوى السبكي (2 / 375).
(37) أحكام أهل الذمة لابن القيم (2 / 696).
(38) تمامه: " ليس للعجم أن يبنوا فيه ولا يضربوا فيه ناقوسا ولا يشربوا خمرا ولا يتخذوا فيه خنزيرا. وأيما مصر مصرته العجم ففتحه اللهعلى العرب فنزلوا فيه فإن للعجم ما في عهدتهم، وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم ". ومن طريق الإمام أحمد بسنده ومتنه ساقه ابن القيم في أحكام أهل الذمة (2 / 674 ).
(39) أحكام أهل الذمة لابن القيم (2 / 694).
(40) مما ورد في هذا الباب ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه حيث قال: " حدثنا عبد الأعلى عن عوف قال: شهدت عبد الله بن عبيد الله بن معمر أتى بمجوسي بنى بيت نار بالبصرة فضرب عنقه ". قال السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس (2 / 397): " ووجه هذا أن البصرة كانت مواتا فأحياها المسلمون وبنوها وسكنوها، فلا يجوز إحداث كنيسة فيها ولا بيت نار، فلما أحدث هذا المجوسي بيت النار فيها كان نقضا لعهده فضرب عنقه لذلك ".
(41) الترمذي الزكاة (633)، أحمد (1/285).



مرئيات مختارة


استطلاع رأي

    بعد الربيع العربي وتوابعه هل تحتاج الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي إلى إعاده هيكلة وتقديم مشروعها بشكل أكثر تماسكا ووضوحا؟