الأخبار | 
الرئيسية مقالات مختارة
عدد القراء 1311

أسلمة العلمنة أم علمنة الإسلام ؟!

كانت العلمانية من أهمِّ نتائج الصراع بين الكنيسة والسلطة الزمنية في الغرب ، الصراع الذي انتهى بهزيمة الكنيسة . وقد كان سبب هزيمتها أنها لم تكن تحمل رسالة عيسى عليه السلام ، وأن نشاطها وطقوسها وقواعدها كلها مستحدثة من الوثنية اليونانية والرومانية . وقد تدخلت الكنيسة في أمور لم تأتِ رسالة عيسى عليه السلام لها . تاريخ طويل من الصراع بين النصرانية التي انتقلت إلى روما وبين الأباطرة الوثنيين . ولما حدث التعاون مع بعض الأباطرة كان تأثير الوثنية في النصرانية كبيراً جداً ، ولم تعد النصرانية هي التي جاء بها عيسى عليه السلام . أمَّا الإسلام فهو دين الله ، ودين جميع الرسل ، جاء في الرسالة الخاتمة وحياً على النبي الخاتم محمد r منهجاً ربانياً متكاملاً للبشرية كلها حتى تقوم الساعة ، منهجاً لجميع شؤون الحياة ، يقوم كله على أساس الحقيقة الكبرى في الكون والحياة ، الحقيقة التي هي أخطر قضية في حياة كل إنسان ، الحقيقة التي ينبع منها الدين كله والمنهاج الرباني كله ، المنهاج الذي يربط الدنيا بالآخرة ، والمشهد بالغيب ، وليكون النظامَ الشاملَ الكاملَ لجميع شؤون الحياة : شعائر ودعوةً وتربيةً وجهاداً وسياسةً واقتصاداً وحكماً ودولةً وغير ذلك من ميادين الحياة الفردية أو حياة الجماعة والأمة المسلمة ، أو حياة الشعوب والبشرية ومع ضعف المسلمين وغياب النهج والتخطيط للدعوة الإسلامية ، ووقوع الصدام بين بعض الجماعات الإسلامية والدولة ، خُيَّل إلى بعضهم أنَّ هذا الصراع يشبه صراع الكنيسة مع السلطة الزمنية . ولما هُزِمت بعض الحركات الإسلامية وفشلت في تحقيق أهدافها ، أخذ البعض يدعو إلى أن تتحول الحركات الإسلامية إلى حركات علمانية تدعو إلى فصل الدين عن الدنيا ، والسلطة والحكم عن الإسلام ، اقتداء بأوروبا لقد تسللت المذاهب الأوروبية والغربية عامة تسلَّلاً خفيَّاً ، وغزت غزواً علنيَّاً وأقبلت طوفاناً إعلاميَّاً ، استطاع ذلك كله أن يزعزع ثقة بعض المسلمين بدينهم وبشمول رسالته وامتدادها . وزاد من هذه الهزيمة جهل ملايين المسلمين بدينهم ، وجهلهم بالقرآن والسنة واللغة العربية ، حتى غاب المصدر الحقيقي للإسلام ، عن واقع المسلمين ، وأصبح الإسلام في أحسن حالاته لدى العديد من المسلمين ثقافة عامة ( ثقافة إسلامية ) يلتقطها من هنا وهناك ، من مصادر بشرية متضاربة مختلفة . فزادت الفرقة بين المسلمين ، وتمزَّقوا شيعاً وأحزاباً .وانصرفت جهود كثيرة عن الدعوة إلى الله ورسوله ، إلى الكتاب والسنة ، إلى الإيمان والتوحيد ، انصرفت عن هذا وذاك إلى الدعوة إلى قائد أو زعيم ، وقد تعدّدت القادة التي يدعو كل فريق إليها ، فزاد التمزّق ، وجابهت الأمة الأحداث الجسام بالمظاهرات التي تنتهي بعد حين ، فلا يجدون سبيلاً لعمل آخر ، ثم يُلقون المسؤولية على هذا وذاك ، على غيرهم ، على العدو ، وعلى أنماط مختلفة ، دون أن يقف أحدهم لينظر في نفسه ويرى أنه المسؤول الأول ، وأن أعذاره مخالفة للكتاب والسنة إن الخلل الواضح في عمليّة البناء ، أدّى بالكثيرين إلى أن يكون حرصهم الأول على قضايا الدنيا : السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأدبيّة والتربوية ، معزولة عن التصور الحقّ للدار الآخرة ، وعن الإيمان والتوحيد ، إلا من حيث الشعارات وضجيجها . ثم أخذت النظرة تتركّز شيئاً فشيئاً على هذه القضايا الدنيّوية لتزداد عزلتها عن التصور الإيماني ، ثمّ تفكُّ ارتباطها به تصوراً وفكراً ، وحماسةً وعاطفةً ، ونهجاً وممارسةً ، ثم لتغيب الشعارات شيئاً فشيئاً ، ثم يتجه النشاط كله إلى الساحة العلمانية بشعاراتها المختلفة .فبعضهم حافظـوا على الشعار العام ، وتبنّوا الفكر العلماني حقيقة وممارسة ! وآخرون أكّدوا شعار الإسلام والتزامهم به ، إلا أنهم لم يتّبعوا نهجاً إيمانياً ربّانياً ، بل اتبعوا في ميدان الممارسة ميدان الوطنية حيناً ، وميدان الإقليمية حيناً آخر ، وميدان القومية حيناً آخر ، ثم ظهر من يجرؤ على تحريف الإسلام وتشريعه وآياته وأحاديثه ، ليثبتوا بذلك باطلهم دون حياءٍ أو خشية من الله، من يوم الحساب ، يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا قوى كبيرة ولا صغيرة ، ولا علمانية الغرب ولا وثنيته ! لم يجد هؤلاء من المسلمين النصح والردعَ وكشفَ مغالطاتهم إلا من العدد القليل ، وبقى عامة المسلمين مؤيّدين أو حائرين أو غافلين ! هل كنا خلال هذه المسيرة الطويلة ندعو حقّاً إلى صدق الإيمان وصفاء التوحيد ، إلى الله ورسوله ، إلى حقائق الإسلام ، إلى الكتاب والسنّة ؟! ليت الدعاة يعودون إلى أنفسهم لينظروا فيما كانوا يدعون الناس إليه ، وعلى ماذا كانوا يتعهّدونهم ، وما هي النتائج التي وصلوا إليها ؟!! فلنكن صادقين صريحين مع أنفسنا وأُمتنا ، فإن الله يعلم ما تخفي الصدور جميعها ! انتظر المسلمون وانتظر الناس جميعاً كي يروا حضارة الإيمان وعظمة الإسلام تتمثل في الواقع البشري . وانتظروا طويلاً ، وكلٌّ يقول أنا سأبني وأنهض وأقدّم للبشرية حضارة الإسلام وعظمته ، ثم لم يجدوا إلا التلاوم ، وكلٌّ يحاول أن يبرّئ ذمته ويتهم الآخرين ، أو يتهم الأعداء الذين منعوه من أن يعمل ! انتظروا ونظروا فما وجـدوا إلا الحضارة المادّية العلمانيّة بشعاراتها المختلفة : الاشتراكية، والشيوعية ، والديمقراطية ، والعلمانية ، والحداثة ، فهُرِع هذا إلى الاشتراكية ، وذلك إلى الشيوعية ، والآخر إلى الديمقراطية ، وغاص الكثيرون في العلمانية والحداثة ! غاصوا وأرادوا ، كي يبرِّئوا ذمتهم ، أن يعلنوا الاشتراكية الإسلامية ، والديمقراطية الإسلامية ، والعلمانيّة الإسلامية ، والحداثة الإسلامية . حاولوا أن يُلصقوا كلمة الإسلام في هذه المبادئ ليتستّروا وراءها ، ولكنها أبتْ عليهم ، و ظلّت على أصلها ترفض الانتماء إلى غيرها . وكأن هذه المبادئ تقول : إذا أنتم فشلتم أن تصلوا إلى حضارة الإيمان والتوحيد ، وإلى الانتماء العمليّ إليها ، فلا تختفوا وراءَنا لتُخفوا عجزكم ! إِذا فقدتم أنتم أصالتكم ، فنحن سنظل على أصلنا علمانيين ، حداثيين ، اشتراكيين ، ديمقراطيين شيوعيين !إن هزيمتنا في نفوسنا كبيرةٌ جداً ! كلُّ يوم يطلع علينا بمثل جديد من نماذج الهزيمة النفسية والتراجع ، وتبدّل الشعارات ! و بعد احتلال العراق بأيام خرجت نداءات صاخبة من الشيعة تندّد بأمريكا وتطالب بحكم الإسلام . وما هي إلا أيام حتى خرج زعيم منهم يقول : نوافق على فصل الدين عن الدولة ! إذا فُصِل الدين عن الدولة فماذا يبقى في الدولة من الإسلام ؟! شعار طُرِح قبل أكثر من قرنٍ ليضربوا به الإسلام ، زخرفوه وزيّنوه بكل زينة العلمانية حتى أصبح رجال ينادون به في ديار الإسلام .من يدعو إلى ذلك لا يفقه الدين ولا يفقه الدولة ، وإنما يردّد ما زيّنه له شياطين الإنس والجن .وعندما خطـب أحد الأئمة في مسجد أبي حنيفة في العراق، هزّ شعور الناس ضد أمريكا ، ودفع مئات الألوف لتخرج منددة بأمريكا . وما هي إلا أَيام حتى عاد وصرّح مرّة أخرى أنه لا بد من خروج أمريكا من العراق ، ولكن ليس الآن ، فلتبق الآن ... ! ثم جاء تصريح آخر منه يقول فيه : " الكل متفقون على بناء العراق ، وأن الأمريكان محتلون ، وأننا فقدنا إرادتنا وقرارنا .... ولا أظن أنهم ينزلون إلى درك المستعمر " ! . وداعية يقول : " يجب أن نتعامل من خلال إسلام مُنفتح ، وفيّ لمصادره الأولى ، ويندمج مع النسيج الثقافي والديني الغربي " . وآخر يقول : " لا فرق بين العلمانية ومقصود الشريعة الإسلامية وأن نندمج مع النسيج الغربي الأوروبي " ، وآخر يقول : " المواطنون من مسلمين وغير مسلمين ( نصارى ويهود وكافرين ) لهم نفس الحقوق كالمسلم سواء بسواء . ولهم نشر مبادئهم والدعوة إليها ، والمشاركة في الحكم ، لهم ما لنا وعليهم ما علينا . كيف يكون ذلك ؟! علينا الأركان الخمسة وليست عليهم ، وقس على ذلك " .وداعية آخر يقول : " إنه يؤمن بالعلمانية التي نادى بها مصطفى كمال أتاتورك ويؤيدها "، ويقف على قبره ويضع إكليل زهور. فأغضب الله ولم ينلْ رضا العَلمانيين . هُرِع دعاة كثيرون يسبِّحون بحمد الديمقراطية وآخرون يسبِّحون بحمد العلمانية وآخرون سبَّحوا قبلُ بحمد الاشتراكية. لا تستطيع الجماعات أو الحركات الإسلامية أن تدير حواراً بينها ، ولكنها تدعو إلى الحوار مع النصارى واليهود والعلمانيين . بعض الحركات الإسلامية تقف في صف واحد مع من يحارب الإسلام ، وتدير ظهرها للحركات الإسلامية . لقد حاول بعض المسلمين الوصول إلى الحكم بوسائل مختلفة ، سواء أعلنوا عن ذلك أم لم يعلنوه . ولقد كان من بين هذه الوسائل الوصول إلى الحكم عن طريق الديمقراطية . فكانت التجارب فشلاً ذريعاً وكشفاً جليَّاً عن أنّ الديمقراطية تعني في مفهوم أتباعها عدم السماح للإسلام أن يحكم مهما تكن الوسائل لتحقيق هذا المنع ، ولو بتجاوز كل مبادئ الديمقراطية المعلنة . وكانت التجارب تكشف بشكل صريح أن الديمقراطية زخرف كاذب لو بحثت في الأرض كلها عن شعاراتها المعلنة فلن تجدها إلا في إطار الحريّة الفردية في الجنس والشهوات ، وفي ضجيج الآراء الموجَّهة من قوى كثيرة ، وفي تخدير الشعوب لتظلَّ لاهية أو لتُستَغلَّ من القوى الفاعلة القادرة على استغلالها . ولقد حاول آخرون من المسلمين أسلوب التحالف مع قوى غير مؤمنة بالإسلام ، قوى تظهر العداء أو الودَّ حسب مقتضيات المصالح المادية . توَّهم هؤلاء أنهم قادرون على استغلال هذه القوى المسيطرة ، فكانت النتيجة أن هذه القوى هي التي استغلَّت المسلمين ومزَّقت قواهم ، وبلبلت أفكارهم ، ونشرت الفتنة بينهم ، وجرَّدتهم من أهمِّ مصادر قوتهم وعزلتهم عنها . هذه القوى تملك الوسائل للتأثير والتوجيه ، تملك القوة المالية والعسكرية ، وتملك الأجهزة كذلك ، وهي جادة بالنسبة لمبادئها مستعدّة للبذل الواسع من أجل هذه المبادئ التي تقوم على المصالح المادية وعلاقاتها فحسب . وتقف الحركات الإسلامية مقابل ذلك ممزقة ، ضعيفة إلا من ضجيج الحشود ! إنَّ بعض المسلمين اليوم جهر بالإعلان الصريح عن تبنِّي المبادئ غير الإسلامية ، المبادئ التي كانوا يحاربونها قبل مدة ، والتي لا يقبلها الإسلام أبداً ، ولا يلتقي معها . وأخذ هؤلاء يبحثون بين الآيات والأحاديث عمَّا يمكن أن يؤيّد فتنتهم ، فلم يجدوا إلا أن يلْوُوا الآيات والأحاديث ويخرجوا بتأويل فاسد ، أو بشعارات مزخرفة مضللة ولكنها مغرية : الإنسانية ، الرحمة ، المساواة ، العدالة، الحريّة ، وغير ذلك من التعبيرات العائمة غير محددة المضمون . وغاب عنهم أن هذه كلها من الإسلام ، إلا أن لها معاني محدّدة في الإسلام ، تختلف عن معانيها، إن وجدت ، في تلك المبادئ ، وأن لها تطبيقاً غير تطبيقها ، وأنها في الإسلام أصدق وأوفى ، وأنها خارج الإسلام زخارف !لقد بيَّن الله سبحانه وتعالى الحقَّ جليَّاً حتى لا يبقى عذر لأحد في أن يضلَّ عن الحقِّ أو يتيه . ولنتدبَّر هذه الآية الكريمة التي تشقّ للمؤمنين درب الدعوة التي يريدها الله ورسوله : ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ [ هود : 112 -113 ] ليس أمام المسلمين اليوم وغداً ومع الدهر كله إلا أن يثبتوا على الدين الحق، دون تحريف ولا انحراف ، ويمضوا على نهج وتخطيط نابعين من الإيمان الصادق ومن منهاج الله ، مرتبطين به ، ملبِّين لحاجة الواقع ، ونحن مستبشرون بوعد الله ونصره لمن صدقه ونصره . أما أولئك الذي يدعون بتلك الدعوات ، ويندفعون ذلك الاندفاع ، فليكونوا عَلمانيين أو ماركسيين أو ديمقراطيين ، أو على أيّ مذهب يشاؤون ، على أن لا يقولوا هذا من الإسلام . الإسلام دين من عند الله، متكامل ، متميّز ، فلا يخلطوه بألوان الفتن والضلال . إن محاولة نصر الإسلام بالتخفِّي في أثواب غير إسلامية ، باب فتنة وضلال وخسارة كبيرة . إن هذا الانحراف سبيل تهديم وهلاك : ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً [ الكهف : 103- 105 ].
-------------------------
المصدرموقع الدكتور: عدنان علي رضا النحوي.



مرئيات مختارة


استطلاع رأي

    في اعتقادك، ما سبب دعم بعض التيارات الإسلامية المحسوبة على السلفية لأنظمة علمانية وانقلابات عسكرية كالحال في مصر وليبيا نموذجا